1- أين أصبح ملف الأجور وتحديداً بدل النقل؟


يُشبه موضوع بدل النقل قضايا أخرى يجري العمل بها خلافاً للقانون والدستور، أبرزها أخيراً الموازنة/ المالية العامّة، وداتا الاتصالات: يعرف مجلس الوزراء أن هناك مخالفة، وعوضاً عن معالجة القضية يجري السعي إلى الالتفاف عليها عبر اتخاذ قرارات معينة، وإصدارها بمرسوم مؤقّت أو استثنائي إلى أن يُصار إلى إعداد مشروع قانون. وخلال الفترة الفاصلة نكون بكل معنى الكلمة نخالف القوانين، إذ بمجرد القول إننا نريد إصدار مرسوم لدفع بدل النقل «بانتظار صدور قانون يجيزه» نكون قد قررنا عن سابق تصوّر وتصميم أن نقوم بأمر لا تجيز القوانين المرعية الإجراء القيام به.

نحن رفضنا توقيع مرسوم بدل النقل، وأوضحنا أنّه مخالف للقوانين والمعاهدات الدولية، التي تُفيد أنّ كل مبلغ يتقاضاه الأجير لقاء عمله هو أجر. واستندنا بذلك الى آراء مجلس شورى الدولة وقراراته القضائية في 32 مراجعة تقدّمت بها هيئات أصحاب العمل لإبطال كل مراسيم بدل النقل، من وقت ابتكار هذه البدعة (عام 1995) حتّى اليوم، بيد أنّهم طلبوا إعداد مشروع قانون لتشريع بدل النقل، وقالوا إنه بانتظار أن يصدر القانون الذي يُفترض أن يعدّل النظام دعونا نصدر مرسوماً يُعطي بدل النقل.
نعمل حالياً على معالجة هذه القضية، عبر إعداد مشروع قانون خاص ـــــ نسعى إلى تقديمه خلال أسبوع ـــــ يُحدّد شروط تحديد بدلات عينية أو نقدية لقاء الكلفة الفعلية المرتبطة بالعمل، وتكون مستثناة من الأجر؛ أي أن المشروع يهدف الى صون مفهوم الأجر، وتحديد الاستثناءات التي تقع خارجه. وبموجب المشروع لن يعود مبلغ الـ8 آلاف ليرة الذي يتقاضاه الأجير بدل نقل مزعوماً عن كل يوم عمل فعلي، خارج الأجر، بل إن جزءاً من هذا المبلغ سيكون عنصراً من الأجر، والجزء الآخر بمثابة كلفة لانتقاله من العمل وإليه، تتحدد قيمتها على أساس الكلفة الفعلية التي تحددها المسافة بين مسكنه ومقر عمله.

2- هل يُمثّل مشروع قانون كهذا مشروع مشكل جديد لشربل نحاس، وهل هناك دعم سياسي له؟

نعم، قد يمثّل المشروع مشكلاً، لكن يجب ألّا ننسى أنّه ليس عبثياً، فالمقاربة تقوم على الطلب من منظمة العمل الدولية جداول مقارنة بين 30 دولة على هذا الصعيد، وبالتالي نحن لا نبتدع شيئاً جديداً غريباً عجيباً. وفي ما خصّ السياسة، أنا بحثت هذا الموضوع مع رئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب ميشال عون، أما الأطراف الآخرون (ممّا يُسمّى «التحالف الوزاري»)، فقد بُحث الموضوع معهم في الجلسة الصغيرة التي عقدناها قبل جلسة مجلس الوزراء، حين أقر قرار تصحيح الأجور. كان الحديث حينها، من قبلهم، عن ضرورة صياغة قانون يفوّض الحكومة إعطاء بدل النقل؛ نحن شرحنا المسألة وأعطيناهم علماً بما نعدّه.

3- يأخذ عليك بعض التكنوقراط أنّك لا تُعير موضوع الإنتاجية اهتماماً، وتحديداً في القطاع العام، لدى طرحك زيادة الأجور؟

ما يرفع الإنتاجية هو الاستثمارات في التجهيزات والتدريب والإمكانات... وبغير ذلك لا تتحرك الإنتاجية، لأنّها ليست بالوناً يعلو تلقائياً! وفي القطاع الخاص هناك مؤشّرات واضحة عن تلك الاستثمارات وهزالتها: استيراد الآلات والمعدّات على اختلافها. أمّا في القطاع العام، فالاستثمارات لا تصل حتّى إلى الحدّ الذي يؤمن صيانة الاستثمارات الموجودة.
الإنتاجية لا ترتفع لأنّ أرباب العمل قادرون على تشغيل عمالة محلية وأجنبية بأعداد غير محدودة تعمل بأجر منخفض جداً، وبالتالي لا يوجد حافز لصاحب العمل للاستثمار في رفع الإنتاجيّة؛ ما يُحفّز أصحاب العمل على الاستثمار في رفع الإنتاجية في البلدان الصناعية هو ارتفاع كلفة اليد العاملة.
وفي القطاع العام الأمر سيان، فالأجور المنخفضة لا يرضى بها سوى الفقراء، أو العمال غير المهرة، أو من يحصل بموجب الواسطة والترتيبات السياسية على موقع في القطاع العام، ويبقى الباقون من أصحاب الكفاءات خارج مظلّة الدولة. ويُمكن القول إنّ مشكلة القطاع العام تحديداً هي في تراجع الأجور أو الابتكارات الخاصة بالإنتاجية (كالتعاقد مع كوادر برواتب مقبولة عبر UNDP مثلاً). فعلى سبيل المثال، لا يتجاوز راتب رئيس إحدى دوائر التفتيش في وزارة العمل 1.3 مليون ليرة. هل هكذا نبني دولة؟ ما يجب التأكيد عليه في هذا الإطار هو أنّ الأجور تتعدّى قضية المحاسبة إلى خيار أيّ مجتمع نريده ويكون مناسباً. والوضع القائم هو كالتالي: أناس لديهم الملايين وآخرون يسعون إلى التلطّي تحت أجنحة السياسيين مع استقدام جحافل العمال من البلدان الفقيرة. ونتيجة هذا الوضع هي هجرة 50% من كلّ جيل لبناني جديد.

4- هل راجعت رؤيتك بعد ما حدث في ملف الأجور؟

صراحةً هناك مسائل لم أكن أتوقعها، ولم يخطر في بالي أبداً أن تحدث. في بداية الأمر عندما أقرّ مجلس الوزراء الزيادة العجيبة ـــــ 200 ألف و300 ألف ليرة، وعدم استفادة من يتقاضون فوق 1.8 مليون ليرة ـــــ سقط القرار وقلنا لهم إنّ أي اقتراح مقبل يجب أن يكون على الأقل بالمستوى الذي وُعد به الناس. كنت أتصور أن هذا الأمر بديهي، لكن تبين أنه لا فارق عندهم وخفضوا الزيادة. وأكثر من ذلك، لاحظت أنّه للمرّة الأولى في تاريخ البشرية تبرز قيادة عمالية تتجاهل قراراً من مجلس الوزراء يقول إنّ الحد الأدنى 868 ألف ليرة، تقف ضده وتطالب بأن يكون الحد الأدنى 675 ألف ليرة. لا أتصور أنّ البشرية شهدت تجربة كهذه.

5- حدث كل هذا في ظلّ احتجاجات إقليمية للمطالبة بالحقوق فيما الوضع محكوم بالخمول محلياً؟

الناس يغلب عليهم اليأس بعد 20 عاماً من التدجين. الفرد الذي يتقاضى دخلاً قطعة منه محصنة، وقطعة أخرى استنسابية، يبيع لصاحب عمله ولاءه أيضاً لا قوة عمله فقط، لتخوّفه من إلغاء التقديمات، من بدل النقل والمنحة التعليمية الى الساعات الإضافية ومستحقات من سفر وإلى آخره. آلية التدجين ليست مزحة، وقد عانينا هذه الظاهرة (عندما كان وزيراً للاتصالات) مع المدير العام لهيئة أوجيرو عبد المنعم يوسف: يتعلّق حجم ساعات العمل الإضافية ـــــ التي تُمثل جزءاً كبيراً من أجرهم النهائي ـــــ بتوقيع المدير ومزاجيته!

6- كيف يمضي شربل نحاس في عمله بعدما حدث ما حدث؟

يعني بعد المهرجان الهزلي! أنا سأمضي على الطريق، فقد خسر الناس حالياً حقوقاً كسبوها في القانون نتيجة نضالات وإضرابات، منذ أيام الفرنسيين في عشرينيات القرن الماضي إلى عام 1995، حتّى في أصعب مراحل الحرب كانت تصدر مراسيم تصحيح الأجور. قد يرى كثيرون أنه يُمكن التخلي عن تلك الحقوق، أمّا أنا، فلا أعتقد أن الأمر هكذا. الواضح أنّنا في منحى تراجعي مخيف على صعيد الحقوق العمالية، فحتّى «تفحيش» المد النيوليبرالي لم يصل إلى ما وصلنا إليه في لبنان؛ حتّى مارغريت تاتشر لم تصل بها الأمور إلى فعل ما يجري ارتكابه في لبنان.

7- ألا يزال هناك مجال لإحداث نقلة نوعية في موازاة موضوع الأجور؟

بداية نسعى إلى تقديم مشروع القانون المذكور، وهناك أيضاً جهود للخروج من الحالة الشنيعة المهينة التي يعيشها العمال المنزليّون، لا بد من إلغاء نظام الكفيل وضمان حقوقهم كاملة، كذلك نعمل لإعداد مشروع يؤمن حرية العمل النقابي في القطاع العام.




بدل لكلّ شيء!

النقاش حول الأجور ليس هامشياً، ففي كلّ بلدان العالم مضت مئات السنوات من النضالات والإضرابات لتحديد الأجر وتحصينه وإعطائه صفة ممتازة؛ لا يُمكن التخلي عنه هكذا. إذا مضينا حسبما يريدون يُمكن القول إنّه يُمكننا تخصيص بدل لكلّ شيء: بدل لبس، بدل سكن، بدل أكل... ويطير الأجر كلياً.