الاستثمارات العامة هي الضحية الأولى لتصوراتنا المالية والانفاقية. هذا ما تدل عليه أرقام السنوات العشر الماضية. عام 2000 كان مفصلياً، حين هبط معدل الإنفاق الاستثماري ولأول مرة منذ نهاية الحرب الأهلية، إلى أقل من 3% من الناتج المحلي القائم، وبعدها تتابع الانخفاض لتصل النسبة إلى 1.5% تقريباً في السنوات 2004-2011، مقارنة بـ12% لخدمة الدين العام و9.2% لكتلة الأجور. وهذا يفسر إلى حد كبير تردي الخدمات وتدني مواصفات البنى التحتية وضعف قدرتها الاستيعابية.

أتى هذا التراجع في سياق واضح المعالم وضمن تسلسل محدد للأفكار عند واضعي السياسات؛ فإذا كان خفض الفوائد على الدين العام لا يقع في متناول الحكومة، ولا تستطيع هذه الأخيرة إيقاف الهدر المحمي بجماعات الضغط، ولا زيادة الضرائب على فئات الدخل العليا، لامتلاك أصحابها حق النقض بخصوص الإجراءات التي تتضارب مع مصالحهم، لا يبقى أمام السلطة - أي سلطة - إلا عصر نفقات الاستثمارات، وتأجيل مشاريع البنية الأساسية مرة تلو أخرى، وصولا إلى التقشف في موازنات الصيانة والتأهيل نفسها.
وهذا ما يسمى بالواقعية الاقتصادية، التي تتوخى خفض العجز المالي والسيطرة على نمو الدين بالسبل الممكنة، ودون المس بقنوات اعادة التوزيع الموكل إليها تصريف الضغط الاجتماعي والسياسي بأقل قدر من الخسائر. وقد يكون ذلك هو الخيار الملائم مع استعصاء الحلول الأخرى، لكنّ المرور من بوابة خفض الإنفاق الاستثماري العام يتضمن مفارقات عدة؛ فتمويل مشاريع البنى التحتية، الذي يزيد العجز والمديونية على المدى القصير، يحفز النمو ويقلص الفروقات بين المداخيل على المدى الطويل، وهذان شرطان لا غنى عنهما لخفض عبء الدين العام وتوسيع الوعاء الضريبي، وتخفيف أعباء مكافحة الفقر وتحسين الأوضاع المعيشية للأسر.
في تجارب دول أميركا اللاتينية وبلدان جنوب شرق آسيا، السائرة كل بطريقتها على طريق التصنيع والتقدم، أدت الاستثمارات الحكومية الضخمة في مجالات البنى التحتية كافة، إلى تحسن مطرد في المداخيل، فكانت السبب المباشر لزيادة حصة الفرد من الناتج بمعدل 2.5% سنوياً في ستة عشر بلداً في أميركا اللاتينية في المدة 1960- 2000 (وصلت النسبة إلى 4.8% سنوياً في نيكاراغوا وحوالي 3% في البرازيل). أي أن هذا النوع من الإنفاق الاستثماري العام ضاعف الدخل الفردي، في أنحاء تلك المنطقة مرتين تقريباً خلال المدة المذكورة. وترك تطور البنية التحتية بصمات أعمق في جنوب شرق آسيا التي عرفت ثورة اقتصادية لافتة في الربع الأخير من القرن الماضي، حيث ساهم في زيادة الدخل الفردي بمعدل يراوح بين 3.2% و6.3% سنوياً، أي أنه تضاعف في اربعة عقود ما بين مرتين ونصف وعشر مرات.
تمكنت المجموعتان أيضاً وللسبب نفسه من تقليص الفجوات التي تفصل بين الفئات الاجتماعية، فتراجع التباين في توزيع المداخيل ما بين 5% و20% في دول أميركا اللاتينية، وما بين 10% و30% في دول جنوب شرق آسيا. وبحسب النتائج التي رصدتها إحدى الدراسات التطبيقية عن أداء 121 دولة في العالم، يعد الاستثمار في قطاع المياه العنصر الأهم من بين العناصر المساعدة على خفض التفاوت، ووصلت مساهمته في خفض اللامساواة الدخلية في منطقة أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي مثلاً إلى حوالي 35%.

الخلاصة الأهم من هذه التجارب، هي أن تحسّن مواصفات البنى التحتية واتساع نطاقها، وشمولها مناطق وقطاعات جديدة، قد تكون الخيار الأمثل «لسياسة رابح - رابح»، لأنها تساعد في آن معاً على خفض الفقر وتضييق الفجوة بين فئات السكان، وتحسين النمو، وهو ما يعني استطراداً، خفض عبء الدين العام وحذف العديد من بنود الإنفاق التي تزيد مع ارتفاع معدلات البطالة وتفشي الفقر.
خلال العقد الأخير من القرن الماضي سجل معدل الإنفاق الاستثماري العام في لبنان حوالي 5,5% من الناتج، بل وصل في بعض السنوات إلى 7%، قبل ان يتراجع بحدة بعد ذلك. العودة إلى هذا المعدل الذي لا يتسم بالمبالغة، تحقق الأهداف التي تحظى بتوافق داخلي مقبول وعلى رأسها استئناف مسار النمو، وتهدئة التباينات الاجتماعية، من دون الإضرار على المدى البعيد بالتوازن المالي، اما التقشف الاستثماري فيؤدي إلى زيادات إلزامية مضاعفة في الإنفاق لاستيعاب النتائج المترتبة على تدهور الخدمات العامة.
درجت العادة على ان نضع مشاريع البنى التحتية في صدارة الخطط والموازنات والبيانات الوزارية التي نتبناها، ويمكن أن نحصي مئات المشاريع الاستثمارية، ولا سيما في مجال تطوير البنى التحتية، التي اقترحت ولم تقر أو أقرت ولم تنفذ. ولا حاجة للتذكير هنا بالبرامج المعروفة في قطاعات المياه والكهرباء والاتصالات التي تكفي وحدها لإحداث نهضة اقتصادية، وهي التي لا تتجاوز مجموع تكاليفها كلفة الفوائد الزائدة التي نتحملها على الدين العام في بضع سنوات.
على طاولة اتخاذ القرار يجد كل نوع من أنواع الإنفاق من يدافع عنه ويمنع المساس به، بدءاً بفوائد الدين العام التي لا تطالها الضرائب، وصولاً إلى المشاريع المناطقية الصغيرة التي يمكن إخضاعها لمنطق التقاسم والمحاصصة، أما الاستثمارات الكبرى ذات الطابع الوطني فلا تجد من يدافع عنها، وتترك مكدسة هناك على رصيف الانتظار، أو توضع في مكان قصي داخل هرم أولوياتنا المقلوب.