على خلاف العادة بدأ حفل الزفاف هذا صباحاً. المدعوّون إلى العرس أخذوا جميعاً أماكنهم وراحوا يدورون فيها، في انتظار بدء مراسم الاحتفال. فجأة أطلّت العروس بثوبها الأبيض وبدأت تسير وحدها نحو وجهتها، فيما تلاحقها عدسات المصوّرين. ما هي إلا لحظات حتى أطلّ عريسها من الجانب الثاني، ليلتقيا أمام المكان الذي يمنعهما من الزواج بالطريقة التي اختاراها لنفسيهما، البرلمان اللبناني. وضع العريس «الطرحة» لعروسته وجلسا أرضاً، ليتزوّجا مدنياً، أمام الصرح الذي يسكنه ممثّلوهما.


هنا كانت كاميرات المصوّرين الشرهة لا تزال تصوّرهم. القلّة الظاهرة من جنود الجيش حول البرلمان، كانت لا تزال تستمتع بالمشهد اللّطيف لعروسين صغيرين يأخذان صورة لهما أمام البرلمان. لم تثر الفكرة ريبتهم، على اعتبار أنّ أسعد يوم في حياة أيّ ثنائي لبناني اليوم، لا يكتمل إلاّ بصورة تخلّده مع مجلس النوّاب، إذ إنّ من بداخله لم يبذلوا بعد كلّ جهودهم ليمنعوا الفرحة عنهم! بقي الوضع «لطيفاً» حتى وقفت الشابة خلف العروسين وفردت لافتة كتب عليها: «حرّروا القانون اللبناني للأحوال الشخصية من جواريركم الطائفية». في تلك اللحظة فهم الجهاز الأمني أنّ الشباب من جمعية «شمل» ينفّذون حركة احتجاجيّة للمطالبة بقانون مدني للأحوال الشخصيّة... وثارت ثائرتهم. نبت في تلك اللّحظة أمني بثياب مدنيّة وانقضّ على «المحتفلين» بالعرس الذين لم يتجاوز عددهم سبعة أشخاص، وكأنّه يريد أن يبتلع اللّافتة. تبعه عناصر من الجيش والدرك وأخفوا اللّافتة، ثم بدأوا بعدها بتهديد المصوّرين الصحفيين. «أوقفوا التصوير أو سنكسر آلات التصوير على رؤوسكم»، راحوا يصرخون. تفرّق المصوّرون وراحوا يحاولون اقتناص الصور من أمام العناصر الأمنيين الذين بدأوا يحتشدون أمام البرلمان. لكن العناصر الأمنيّون لاحقوهم واحداً تلو الآخر حتى تأكّدوا أنه لم تعد هناك كاميرات أو هواتف تصوّر. في تلك الأثناء كان الرجل الأمني ــ المدني «يحاور» العروسين ليخليا المكان مع أصدقائهما ويصرخ في الوقت ذاته: «ناديلي دوريّة»، مع أنّ عدد العناصر الذين كانوا قد تجمّعوا من حوله، كان قد فاق أصلاً عدد الشباب الأربعة والفتيات الثلاث، الذين أقاموا العرس والذين لا تتخطى أعمارهم ربما، الخامسة والعشرين. بعدما اعتقدوا أنّهم عطّلوا الكاميرات وأبعدوا الصحافيين، وصلت الدوريّة وبدأ شباب الأمن عملهم. انهالوا بالضرب والشتائم والعبارات البذيئة على الشباب. سحلوا «العريس» من ساحة النجمة، التي لم يعد يسمع فيها سوى صراخه، حتى «الهنغار الأمني» أو «غرفة العمليات». في تلك الغرفة يحكي الزميل الصحافي في جريدة «السفير» عاصم بدر الدين ما حدث، بعدما اقتيد هو الآخر إليها. ما هو ذنبه؟ يقول بدر الدين إنّه بقي في «مسرح الجريمة» بعدما حاول الجيش والدرك إبعاد الناس عن المكان. ناداه أحد الجنود وسأله عن هاتفه وطلب منه «شريحة الذاكرة». اقتيد، مع هاتفه إلى «غرفة العمليات». يقول بدر الدين إنّه لم يكن قلقاً، بما أنّه لم يكن مشاركاً في النشاط، لكنه لم يصرّح فوراً عن هويته كصحافي. لدى دخوله الغرفة، يقول إنّه رأى الشبّان وقد تعرّضوا للضرب جميعاً، كما أنّه تلقى أول «سحسوح». عندها صرّح بأنّه صحافي من جريدة السفير، اعتقاداً منه أنّ الأمر سيحميه ويعفيه من مصير الآخرين. لكن على العكس، ما إن «اعترف» بأنّه صحافي حتى تلقى صفعة على خدّه من العنصر الأمني الذي عدّ تصريح بدر الدين تهديداً، وانهالت عليه بعدها الضربات! يضيف بدر الدين: «ضربوا رأس أحد الشباب «المعتقلين» بالحائط، وفتشوا هاتفه وحقيبته وحجزوا هويته مع هويّات الآخرين، حتى وصل العميد. توجّه الأخير إلى بدر الدين ليسأله عمّا رآه. أخبره حينها أنّه شاهد نشاطاً سلمياً جوبه بالعنف والضرب. عندها صحّح له العميد، محاولاً أن يملي عليه شكل مقالته، وقال له: «بل شاهدت نشاطاً سلمياً تمّ التعامل معه بسلميّة»! لكن جنون الأجهزة الأمنيّة لم يتوقّف عند هذا الحدّ صباح أمس، بل يقول الشباب الذين اقتيدوا إلى الهنغار إنّ العناصر الأمنيّين حاولوا التحرّش بأحد الشبّان جنسياً بواسطة «البارودة».
بينما كان الشبّان يتعرّضون للضرب، التقطت عدسة أحد المصوّرين التي كانت لا تزال قادرة على العمل، صورة لنائبين وقفا على الشرفة يتفرّجان على المنظر البديع. في تلك الأثناء أيضاً ترجّل النائب قاسم هاشم من موكبه أمام المجلس، بعدما عرقلت الحشود الأمنيّة وصوله إليه. بين تلك الحشود، وجد النائب هاشم ثلاث فتيات، يهدّدن الأمن القومي. حدّثته الفتيات عن الزواج المدني الذي يطالبن به، فسخر من قضيتهم بحسب الفتيات، وأخبرهنّ بأنّ سنّهم الصغيرة تجعلهنّ يهتممن بهذه القضايا، إلا أنّ دولة «الكبار» اليوم مشغولة بأمور أكثر أهميّة، كالأمن والموازنة... هم صغار ليفهموا أولويات البلد وليطالبوا بما يرونه حقاً لهم، لكنهم كبار بما فيه الكفاية ليتحمّلوا الضرب والإهانات من الأجهزة الأمنيّة!
في تلك الأثناء اتصل أيضاً ناشطو «شمل» بالنائب غسان مخيبر، طالبين المساعدة لإطلاق سراح «معتقليهم». خرج النائب من البرلمان وتوسّط لدى الأجهزة الأمنية، فأطلق سراح الشباب. أخبرهم مخيبر أنّ الأجهزة الأمنيّة أخطأت بتعاملها معهم بهذه الطريقة، لكنه في الوقت ذاته لامهم على اعتصامهم أمام المجلس من دون ترخيص. الشباب دخلوا «المنطقة المحظورة» من دون ترخيص. هم أخطأوا بذلك من دون شك. لكن الناشطين يبرّرون الأمر بالقول إنّهم ما كانوا سينالون ترخيصاً للقيام بتحرّكهم هذا، ويضيف أحدهم: «نحن قصدنا المجلس لنخاطب النوّاب، ونوقظهم من غفوتهم بشأن هذا الموضوع وننتزع وعداً لمناقشة القانون المدني للأحوال الشخصية وإقراره. فهل ننتظر ترخيصاً لنخاطب مجلساً لا نستطيع أن نخاطبه في أيامنا العاديّة؟». ووعدت «شمل» في بيان لها بأن يستمر تحرّكها التصعيدي لإقرار القانون اللبناني للأحوال الشخصية.




مخيبر ليس بطلاً

في التحرّك الذي قادته جمعية «شمل»، أمس، أمام المجلس النيابي برز النائب غسان مخيبر كالبطل الذي أنقذ الشباب من براثن الجهات الأمنيّة. لكن شباب «شمل»، ولو أنّهم يشكرون النائب مخيبر، إلا أنّهم يرون أنّ أيّاً من النواب الآخرين كان يجب أن يمنع هذا العنف الذي طاولهم، وأنّ على مخيبر أن ينقل الآن صوتهم إلى المجلس ويحوّله أفعالاً.