أخيراً، وافق «كبار المساهمين» على انضمام لبنان الى قاعدة المساهمين في البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية EBRD، بعد مفاوضات امتدت لسنتين، قادها المدير العام لوزارة المال آلان بيفاني، بتفويض من وزير المال. «الخطوة الكبرى» المتمثلة بقبول عضوية لبنان في البنك أُنجزت، وفق ما أعلنه بيفاني، وانطلقت الإجراءات المطلوبة لتحديد إمكانية بدء العمل في البنك خلال السنة المقبلة ليصبح لبنان «بلد عمليات»، أي يصبح بإمكان البنك القيام بعمليات في البلد.


لكن، ماذا يعني انضمام لبنان الى البنك؟ ما هي الخدمات التي سيستفيد منها؟ وهل من الجيد أن يستمر بالاقتراض في ظل دين عام لامس 100 مليار دولار فعلياً؟
ينطلق بيفاني في كلامه من أنّ «الدولة اللبنانية حققت إنجازاً كبيراً لأن العالم لم يكن موافقاً على انضمام لبنان الى هذا البنك»، مشيراً الى أنّ المفاوضات في هذا الملف امتدت لسنتين واجهت فيهما الدولة عراقيل كثيرة؛ أبرزها عدم اقتناع مساهمين كبار بانضمام لبنان، فضلاً عن ضغوط مارستها إسرائيل. فعندما توسّع نطاق عمل البنك عام 2011، بعد انطلاق الثورات العربية، ليشمل بلدان جنوب حوض المتوسط، استُثني لبنان من المجموعة، فيما تمّت الموافقة على انضمام كل من: تونس، مصر، الأردن والمغرب. يقول بيفاني إنّ «لبنان كان مستثنى لأنه على الصعيد السياسي لم يكن معتبراً من الدول التي دخلت للتو في «المنظومة الديموقراطية»، كما هي حال تونس ومصر، بينما اعتبر المساهمون أنّ المغرب والأردن بدأتا بالدخول ضمن هذه المنظومة من دون ثورات».
كي يستفيد لبنان من البنك، يجب أن يكون من المساهمين، إذ إنّ البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية شبيه بالبنك الدولي، حيث يجب أن تكتتب الدولة العضو بحصة معينة من رأس المال كي تستفيد من الخدمات المقدمة. وعليه، يكشف أحد الخبراء العاملين في المؤسسات الدولية المعنية أنّ على الدولة أن تساهم بمبلغ مليون و790 ألف يورو قبل 15 آذار 2016 لتصبح كاملة العضوية.


يحدد بيفاني
أهمية الانضمام الى البنك بتوسيع قاعدة مصادر التمويل



عندما تأسس البنك في أوائل التسعينيات، كان هدفه مساعدة دول أوروبا الشرقية على الانتقال من النظام الاشتراكي الى نظام السوق، ليتطور لاحقاً ويصبح شبيهاً بالمؤسسات التنموية التي تعطي قروضاً للتنمية ومساعدات تقنية للمؤسسات في قطاعات عديدة مثل: الزراعة، الصناعة، البيئة، الأشغال العامة، الطاقة وغيرها. وبالتالي، يقدم المصرف خدمات عدة للقطاعين العام والخاص. يشرح بيفاني أنّ لبنان سيستفيد من انضمامه الى البنك أولاً عبر المؤسسات الخاصة التي يمكنها أن تستفيد من عمليات تمويل ومساعدات تقنية من ناحية المساعدة على الانتقال من تركيبة اقتصادية الى أخرى، ودخول عدد أكبر من الأسواق. كما يمكن أن يساهم البنك في رساميل هذه المؤسسات. وثانياً عبر المشاريع العامة، إذ سيقوم وفد من البنك بزيارة عدد من الوزارات والمؤسسات الرسمية التي يمكن أن يتم التعاون معها لاحقاً من أجل تمويل مشاريع إنمائية. فوفق بيفاني، يواجه لبنان تحوّلاً اقتصادياً مهماً يتمثّل بالعولمة التي لم نتمكن من مواكبتها، إذ إنّ المؤسسات غالبيتها لا تزال عائلية وصغيرة وخارج الأسواق الكبرى، لذلك يمكن للبنك أن يساعد في تحقيق هذا الانتقال.
يحدد بيفاني أهمية الانضمام الى البنك بثلاثة أمور أساسية: «توسيع قاعدة مصادر التمويل وإدخال أموال جديدة الى البلد، استقدام خبرات تقنية عالية في مشاريع إنمائية، والتواجد في مجلس إدارة هذه المؤسسة لمعرفة مخططاتها ورؤيتها للاقتصاد والأوضاع المالية على الصعيد العالمي». لكن، بالمقابل هناك استفادة أيضاً للبنك نفسه الذي خسر جزءاً مهماً من أمواله في روسيا وأوكرانيا، بسبب العقوبات والأوضاع العسكرية والسياسية، وبالتالي بات «يبحث عن انتشارٍ أكبر» من أجل توسيع نطاق عمله. يعلّق الخبير أنّ «من مصلحة العاملين في البنك توسيع عملهم كي يُظهروا أنّ هناك حاجة لهذه المؤسسة لتستمر في عملها». يطرح هذا الأمر تساؤلاً منطقياً، كيف يجازف البنك، الذي خسر أموالاً جراء الأزمة في روسيا وأوكرانيا، بالاستثمار في بلدٍ تُعتبر فيه درجة المخاطر مرتفعة؟ يجيب بيفاني أن «هذه المؤسسات هدفها تمويل المشاريع التنموية. وحتى اليوم لم يحصل أن خسرت هذه المؤسسات أموالها في لبنان، وبالتالي لا يوجد مبرر كي تكون حذرة إلى درجة الامتناع عن إعطاء القروض». إلّا أنّ واقع إدارة الدولة السيئ أثبت أنّ القروض التنموية المخصصة لمشاريع محددة تُهمل، وهناك عجز عن استعمالها لا ينبع فقط من عدم إقرارها في مجلس النواب. يقول الخبير إنّ «هناك عدداً كبيراً من القروض المقدمة من البنك الدولي عالقة حالياً في مجلس النواب والتي يمكن أن تُلغى ما لم يقرها البرلمان ضمن المهل المحددة، كذلك ألغت الوكالة الفرنسية للتنمية AFD قروضاً كانت قد أقرّتها للبنان بعدما استنزفت الدولة المهل المعطاة لها. بعد كل هذا، يأتي البعض ليُخبرنا بضرورة الانضمام إلى البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية تحت ستار أنّ «زيادة الخير خير» حتى لو لم نستفد من الخدمات!». يرى الخبير أنّ الدولة تملك مصادر تمويل عديدة، وبالتالي الأجدى بها الاستفادة من المساعدات والقروض المطروحة حالياً عوض تنويع المصادر والمؤسسات لأن كثرة الصناديق والأجندات التي تطرحها كل مؤسسة تضر بالإدارات وتأخذ مجهوداً كبيراً. برأيه، يبحث النظام اليوم عن طرق لتمويل نفسه، وبالتالي ما هي المصلحة في تمويل نظام أثبت فشله؟ إلّا أن بيفاني يرى أنّ خيار الاستسلام لواقع الدولة لا ينفع، بل «يجب دائماً أن نسعى لتوسيع الأفق وتحسين الظروف الداخلية لتوفير أفضل استعمال لهذه القروض، وقد تمكّنّا من إثبات أنّ هذه المؤسسة يمكنها أن تقوم بعملها في لبنان رغم المصاعب والمشاكل». تُطرح هنا إشكالية أخرى، هل يحتمل البلد المزيد من الدين المتراكم؟ ولماذا نزيد الاقتراض بالعملات الأجنبية؟
يقول بيفاني «نحن في جميع الأحوال نقترض، إذ إن العجز يفرض علينا الاستدانة، ما يعني أن من المهم أن يكون لدينا قاعدة واسعة لأخذ القروض بأفضل الشروط وبشكل مفيد لقضايا محددة، وبحكم العجز أيضاً يجب أن تكون الاستدانة بالعملات الأجنبية والمحلية». لكنْ للخبير رأي مغاير، إذ إنّ «لبنان لن يقترض كثيراً لأن كل هذه المؤسسات لا نستفيد منها وهو ما تبيّن أخيراً. لكن، إذا استمررنا في سياسة القروض من دون إجراء إصلاحات، وتحديداً إصلاح النظام الضريبي، فهذا سيؤدي الى زيادة العجز».