كأن الملاكين والمستأجرين في حالة حرب. تحضر بينهما عبارة «احتلال». صار الجانبان بحاجة إلى قوات فصل. فغضب الملاكين يفوق ناطحات السحاب، فيما يرفض المستأجرون وصفهم بالمحتلين. وبالتأكيد، لن ترضي النتيجة، مهما كانت، أحد طرفي المشكلة بالكامل. القضية إنسانية قبل أن تكون حقوقية. والمشكلة لا علاقة لها بملّاك أو مستأجر، بل بتقاعس الدولة عن تأمين مساكن شعبية.
بات مشروع القانون اليوم في عهدة رئيس مجلس النواب، نبيه برّي، بعدما انتهت لجنة الإدارة والعدل من صياغته، من دون الاستماع إلى رأي المستأجرين كما يقول عضو لجنة المتابعة للمؤتمر الوطني للمستأجرين، ولجنة الدفاع عن حقوقهم، زكي طه. الرجل المُهدّد يرى أن «جميع صيغ مشاريع القوانين لم تراع الحد الأدنى من حقوق المستأجرين في السكن». لا شك أنه يخشى اللحظة التي يتحوّل فيها عقده مع المالك إلى حرّ، يتجدّد كل ثلاث سنوات، موضحاً أن «قصر المدة الزمنية للعقد الحرّ، وخلوّ القانون من أي ضوابط للزيادات تحدّ من جشع المالك، يضعان المستأجر في حالة قلق دائم».
قلقٌ يعيشه طه منذ مدة. يلوم لجنة الإدارة والعدل. هو على يقين من أن القانون صيغ «وفق مصالح كبار الملاكين والشركات العقارية وتجار البناء وأصحاب رؤوس الأموال التي تتقدّم على مصالح المواطنين العاديين، وخصوصاً أن اللجنة تضم ممثلين عن الشركات العقارية ومجالس إدارة المصارف ووكلاء كبار الملاكين وملاكين». والهدف، برأيه، هدم البيوت القديمة لتوفير أراض جديدة في بيروت التي خلت من المساحات الفارغة. في المقابل، «سيقال لعشرات الألوف من الذين وفدوا إلى المدن الرئيسية منذ ستينيات القرن الماضي وسبعينياته: عودوا من حيث أتيتم». يقلقه أن أحداً لم يسأل إن كان «المستأجر العجوز سيكون قادراً مادياً ونفسياً على إيجاد مسكن بديل، وخصوصاً بعدما ألغى القانون حقه في تعويض بدل الإخلاء؟». سؤالان يرتبطان بوصفه الزيادات المقترحة بـ«الباهظة جداً، وتفوق قدرة الغالبية الساحقة من المستأجرين».
ينصّ مشروع القانون على تمديد عقود إيجار الأماكن السكنية 9 سنوات من تاريخ العمل بالقانون، على أن يصبح الإيجار حراً في نهاية السنة التمديدية التاسعة، ويحق للمستأجر التمديد ثلاث سنوات إضافية إذا كان دخل العائلة الشهري أقل من 3 ملايين، ليصبح المجموع 12 عاماً. في هذا الوقت، يرتفع بدل الإيجار تدريجاً، إذ سيكون على المستأجر أن يدفع للمالك قيمة بدل المثل (بدل عادل للإيجار يحدّد بالاتفاق بين المالك والمستأجر) تدريجاً، وسنوياً بنسبة 15 في المئة من قيمة فارق الزيادة بين البدل المعمول به قبل صدور هذا القانون، وبدل المثل عن كل سنة من السنوات التمديدية الأربع الأولى التي تلي تاريخ صدور القانون. ثم 20 في المئة من قيمة فارق الزيادة عن السنتين الخامسة والسادسة حتى يبلغ بدل الإيجار في السنة التمديدية السادسة قيمة بدل المثل المذكورة. ويكون في السنوات الممددة السابعة والثامنة والتاسعة مساوياً لقيمة بدل المثل. كذلك، نصّ المشروع على إنشاء صندوق لمساعدة المستأجرين العاجزين عن دفع الزيادات، والذين لا يتجاوز دخلهم (جميع العائلة) ثلاث مرات الحد الأدنى للأجور.
لا يثق طه بالصندوق. كما أنه لن يحلّ المشكلة برأيه. فكيف تكون عائلة مدخولها الشهري ثلاثة ملايين، قادرة على دفع ألف دولار شهرياً. ولا يتردّد في وصف الأمر بـ«التهجير».
في المقابل، لنائب رئيس تجمع مالكي الأبنية المؤجرة في لبنان، باتريك زرق الله، موقف مناقضٌ تماماً. يبدأ في تعداد أسماء الفقراء من الملاكين. تملك عائلته مبنى في الحازمية وهو يقطن بيتاً بالإيجار. «كيف ذلك؟». يقول إن القانون القديم أدى إلى «خسارة المالكين القدامى حقهم ببدلات إيجار عادلة، وتجويعهم، عدا عن فقدان قدرتهم على ترميم الأبنية القديمة حفاظاً على سلامة السكان، واضطرارهم إلى بيع المباني التي يملكونها بعد فقدان الأمل بإمكانية تحرير عقود الإيجارات القديمة (كما الحال في مونو)، ارتفاع قيمة بدلات الإيجار في الأبنية الحديثة نظراً إلى انخفاض عدد الشقق المعروضة للإيجار ...».
يخبرنا رزق الله عن ريما زيدان، التي يملك والدها مبنى في فردان، وهو عاجز اليوم عن تغيير بطارية قلبه بسبب تكلفتها العالية (حوالى 6 آلاف دولار). تروي ريما القصة عينها. تقول إن والدها مهدّد بالموت ولا تعرف ما العمل. تنتظر سنة إضافية، المهلة الأخيرة لصلاحية البطارية القديمة، على أمل إصدار القانون والاستفادة من 15 في المئة الأولى. تقول إن معظم المستأجرين لديها يملكون سيارات فخمة. باتريك ووالدته الينورا وريما يتحدثون عن الذين اغتنوا على حسابهم وعن السيارات الفخمة. في المقابل، يؤكد طه أن معظم المستأجرين القدامى من ذوي الدخل المحدود.
ريما وعائلتها مظلومون، وكذلك أبو علي، وهو مستأجِر. يبدأ من الثورات العربية. يقول: «لا تتصوري أنها لن تمتد إلى لبنان». الانطلاقة قد تكون من إقرار قانون الإيجارات. قد يتحول إلى بوعزيزي ثانٍ. هذا الرجل الذي قطن في حي السريان المتفرّع من شارع مار الياس لن يموت إذا أقرّ القانون الجديد. يرفض أن يكون سمكة. سيترك الأمر إلى حينه. لكن من بين الاحتمالات إحراق منازل النواب والوزراء مثلاً. لا يخشى السجن ولا أي شيء آخر. يقول: «حين يسرق أحدهم حقيبة امرأة، تركض خلف السارق لأنه سرق شيئاً يخصها، فكيف إذا أُخذ بيتها؟».
دفع أبو علي للمستأجر المسيحي الذي أراد ترك المنطقة خلال الحرب، بسبب مضايقات الحزب التقدمي الاشتراكي آنذاك، خلوّاً قدره 40 ألف ليرة. كان بمقدوره شراء منزل بالقيمة نفسها في منطقة أخرى، لكنه فضّل هذا الحي، وكان يشعر بالأمان حينها.
جارته إلهام مرضت الأسبوع الفائت. لم تعد تشعر بقدميها. التفكير اليومي يقودها إلى الهلاك. لا بديل لديها. لا منزل في الضيعة حتى. تعرف أنها غير قادرة على دفع أكثر من 300 دولار بدل إيجار شهرياً. منحها القانون 9 سنوات. لكن، ماذا بعد ذلك؟ أعليها أن تموت؟
يتحدث المستأجر عن 180 ألف عائلة مهددة بالتهجير. المالك من جهته يشير إلى 12 عاماً قبل التحرير، ويوثقها كدليل ساطع على وقوف اللجنة إلى جانبهم. أما عن الخلوات التي دفعوها، فهذه لم تغير عقد المستأجر إلى مالك.
سعى المالكون إلى تعديل قانون الإيجارات القديمة الاستثنائي منذ أواخر الثمانينيات والتسعينيات. ولم تلقَ محاولاتهم آذاناً صاغية، إذ يقول رزق الله إن عدداً من النواب (بينهم محمد قباني، ياسين جابر ونعمة الله أبي نصر) يقطنون بيوتاً تخضع لقانون الإيجارات القديم، عدا عن مقارّ حزبية ومؤسسات إعلامية. ويسمح القانون القديم للملاكين بالزيادة على المستأجرين بسبب إصدار الحكومة زيادة بفعل غلاء المعيشة، إلا أنها ضئيلة جداً.
الحجج جاهزة لدى الطرفين، اللذين ينسيان أن كليهما ضحية. فـ«المحتل» الحقيقي هو الدولة.




الموت هو الحلّ؟

خلال دراستها مشروع القانون الجديد، يبدو أن اللجنة راهنت على موت المستأجرين القدامى، باعتباره الحلّ الأمثل الذي لا يخلّف وراءه ذيلاً من المشاكل، من خلال تحديها فترة 12 عاماً. يقول النائب وعضو اللجنة ميشال الحلو، إن المستأجرين سيبقون في منازلهم حتى عام 2026. لم يقلها جهارة، إلا أنها ظهرت بين السطور: «يدرى مين يعيش».
يقول الحلو: «لا ندعي صياغة قانون خال من الشوائب ويرضي الجميع ويحل أزمة السكن»، لافتاً إلى «وجود تحفظات نفهمها، وخصوصاً أن الحل الحقيقي يأتي على شكل سلسلة تشمل تأمين سياسة إسكانية، لامركزية إدارية، نقل عام...». ينفي الشائعات التي طالت اللجنة حول ميلها للملاكين، بل يعتبر أن اللجنة عملت على تأمين الحقوق قدر المستطاع.
ويلفت الحلو إلى أن لجنة فرعية تضم عدداً من النواب، بينهم هو وسمير الجسر وحكمت ديب، تعكف حالياً على دراسة مشروع الإيجار التملكي وتلتقي المستثمرين، ويبدو أن النقاشات تتجه نحو تخصيص نصف شقق المبنى (قيد الإنشاء) للإيجار التملكي بعد تقديم حوافز.