تنظّم جمعية «النساء الروسيات في لبنان» بالتعاون مع «المركز الثقافي الروسي» أمسية «الأجيال ــ 2012» اليوم، للاحتفال «بعيد العائلة والحب والإخلاص»، حيث ستمنح ميداليات وشهادات تقديرية «للحب والإخلاص»، وسيتم إعلان إنشاء نادي العائلة الروسي ــ الجيل الثاني، وتهنئة أهالي الأطفال المولودين عام 2012 بحصولهم على الجنسية الروسية.

وتشرح مديرة الجمعية سفتلانا صفا أن «الاحتفال بهذا العيد يأتي متأخراً عن موعده الفعلي في 8 آب الفائت»، لافتة إلى أنه يهدف إلى تأكيد أهمية العائلة ودورها في توفير الحب والاستقرار، لذا تصرّ الجمعية على جمع الأجيال لتأمين لقائهم بعضهم مع بعض وتصوير الامتداد العائلي من جهة أخرى.
تخلت الروسيات المتزوجات من لبنانيين عن جزء من هويتهن. صرن مثلاً، سفتلانا صفا وروزا عقاد وفكتوريا مغنية وغاليا زين. تشدّد على «زين» وليس «الزين». باتت تعرف جيداً هذا الحرف العربي. ويبدو أنها اعتادت التوضيح. هي وزميلاتها «تلبننّ » ثقافياً ولغوياً وعرفن الطائفية. فكما تقول سفتلاتا: «أنا التي جئت إلى حضارته وليس هو». إذاً يجب عليها الانصهار. وها هي اليوم تهتم بحفيدتها، على غرار الأمهات اللبنانيات، لأن ابنتها تعمل. لكنّ هناك لبساً. تلفت إلى أن العديد من الأمهات الروسيات يهتممن ببناتهن كما هي الحال في لبنان. الأمر مرتبط بالأم نفسها وليس بثقافة البلد. ورغم تشديدها على الانتماء الشرقي لروسيا، لكنها لحظت الاختلاف من دون أن تعرف شرحه.
تعرفت سفتلانا على زوجها في الجامعة، حين جاء وفد ضم لبنانيين وفلسطينيين، ووقع عليها الخيار لتكون قائدة مجموعتهم. خاطبتهم بالإنجليزية، وحدث أن زوجها كان الوحيد الذي يتكلم لغة العم سام. تقول: شانسي (حظ). أحبّ أحدهما الآخر وتزوجا وأنجبا طفلة (ولاحقاً صبي) من دون علم أهله لأن زوجها درزي. لم يعترض أهلها، من دون أن يعني ذلك أنهم لا يكترثون. تقول: «بالطبع يخافون على الفتاة ويودّون الاطمئنان عليها. لم نكن فتيات طايشين».
تبدو سفتلانا، التي قدمت إلى لبنان منذ 16 سنة، مفعمة بالإيجابية. حتى إنها لم تغادر إلى روسيا أثناء عدوان تموز واستضافت مهجرين من منطقة صور. علاقتها بعائلة زوجها جيدة، لا تخرج عن الحدود الرسمية تجنّباً للمشاكل. تعلمت العربية من الناس. فجأة، تستذكر بعض القصص لتشرح الاختلاف الثقافي بين البلدين. اعتادت ابنتها ناديا حبس نفْسها في غرفتها يومياً للرسم، فظن أقرباؤها أن الأم الروسية تمنعها عنهم عن قصد. علمت ناديا ماذا عليها أن تلبس حين تذهب إلى الكولا مثلاً. فهناك فارق بين لباس الكولا و«بيروت الشرقية». دخلت هذا العالم إذاً. اختارت ابنتها أن تكون مسيحية، وتزوجت بمسيحي، وأنجبت طفلة روسية قد تمنح جائزة اليوم لانتمائها إلى الجيل الثالث.
نسأل غالينا عن تقييمها لحياتها بعد زواجها من لبناني ومكوثها في لبنان 26 سنة، فتقول «الحمد لله». زوجها سنّي. حين التقته أثناء دراستهما في الجامعة في موسكو، عرفت أنه ليس متزمتاً. فهو كان يرتدي الجينز، وقال لها إن أخواته ينزلن البحر بـ«المايو». اطمأن قلبها. أنجبت طفلين خلال دراستهما، ثم حان وقت العودة. كانت قد زارت لبنان مع زوجها وابنها خلال «الأحداث». جاؤوا عن طريق سوريا وناموا ليلة في الجبل. «كم بكيت حينها. قالوا لي ستأتين إلى ضيعة. لكنني لم أر شيئاً منها. فأنا أعرفها في روسيا ببيوتها الخشبية وحدائقها». كان الوضع أقل سوءاً في المدينة. تأقلمت مع حياتها الجديدة. عملت في الخياطة وتعلمت اللغة من خلال احتكاكها بالزبائن. ربّت أولادها على هوى زوجها. تقول إنهم «يصومون». أما هي، فتصوم «في الشتاء فقط»، والهدف توحيد التوجه داخل المنزل. المهم بالنسبة إليها اليوم أن أولادها بخير. فهي لا تدري كيف كانت لتكون حياتها لو لم تتزوج لبنانياً.
على خلاف سفتلانا وغالينا، قدمت فكتوريا مغنية أخيراً إلى لبنان. كانت تعيش وزوجها وأولادها في سويسرا. قرّر الوالد العودة خوفاً من أن يجلب له أولاده الشرطة إذا صودف أن صرخ في وجههم. لم تعتد المكان الجديد بعد. تقول إن «لبنان هو أكثر بلد يضم أطفالاً من دون أن يكون فيه مساحة لهم. تزعجها الفوضى في كل شيء. حتى إنها بعثت برسالة إلى عدد من الوزراء تعترض فيها على «الششمة» في الرملة البيضاء. تختلط في ذهنها العبارات اللبنانية، علماً بأنها تفهمها جيداً. حين ننهي المكالمة الهاتفية، تقول «يسلمو إيديكي، ونهارك سعيد».
تعلمت سفتلانا وغالينا وفكتوريا العربية، باستثناء روزا بسبب غياب العائلة، تقول. جاءت إلى لبنان عام 1996 هرباً من الوضع الاقتصادي في روسيا ما بعد الاتحاد السوفياتي. تعرفت إلى زوجها وأغرمت به. تقول: «كان جميلاً جداً ». أنجبت ثلاثة أطفال. تجد فارقاً بين الثقافتين الروسية واللبنانية. «فهنا ليس على المرأة أن تعمل. الرجل مسؤول عن تأمين متطلبات الحياة. الحياة قاسية في روسيا». تنتقد التشدد في عقلية اللبناني بعض الشيء، «فالرجل يسأل المرأة دائماً إلى أين أنت ذاهبة؟ لماذا؟». تتمسك روزا بدفء الطقس في لبنان، والفاكهة والسمك الطازج. مغريات لا تبدو كافية. فهي تفضل اليوم العودة إلى روسيا.
أما سفتلانا فتختار أن تختم حديثها بالعيد الذي يعني كثيراً للروسيات. «سيكنّ فخورات بأطفالهن اليوم» تقول. لا شك في أن الامتداد دليل على نجاح العائلة في التماسك بشكل أو بآخر. تختم حديثها: «إلى اللقاء حياتي».