حصر مؤتمر الجامعة الأميركية في بيروت بشأن الثلاثي الرائج هذه الأيام «المرأة والجنسانية والشباب» في العالم العربي، البحث العلمي في مجالي علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بين خطاب استشراقي يسترجع ما تحدث عنه إدوارد سعيد في كتابه «الاستشراق» من نمطيات الاستبداد الشرقي والإسلام اللذين يمنعان الشعوب العربية من التعرّف إلى المحاسن الحصرية المفترضة للحضارة الأوروبية مثل الحرّية الجنسية للمرأة من جهة، وبين خطاب ثان مميّز للحركة النسوية البورجوازية التي تضع الحرية الجنسية للمرأة العربية على سلّم الأولويات السياسية من دون اعتبار للظروف الطبقية والنفسية والثقافية في المجتمع العربي.

هذا، على الأقل، ما أظهره النقاش الذي دار حول البحث الذي قدّمه الدكتور فيصل القاق المشارك في المؤتمر، عن الأصول المعرفية لتعريف الجنس والجنسانية في المجال الطبي، اليوم، لكونه «أمراً صحّياً ويجب الإكثار منه». هكذا، «تُخترع» أمراض جنسية كلّ سنة في كثير من المؤتمرات الطبية الغربية على خلفية عدّ أنّ أي انقطاع أو امتناع في ممارسة الجنس هو نوع من الانحراف الذي تجب معالجته. ما قاله القاق لم يعجب الشاعرة جمانة حداد تماماً، صاحبة مجلّة «جسد»، التي تنادي «بتمكين المرأة العربية عبر ممارسة حرّيتها الجنسية أوّلاً ونبذ صورة «الضحية» عن النساء اللواتي يرضين بالأفكار الذكورية عن الجنس والحرية».
احتدم النقاش خصوصاً عند مقاربة القاق لمسألة عمليات ترميم «غشاء البكارة» المنتشرة في لبنان وارتباطها بواقع «جرائم الشرف» وخصوصاً عندما رأى هذا الأخير أنّه، بصفته طبيباً، عليه واجب أخلاقي في إجراء عملية «الترميم» إذا عرف أنّ المريضة قد تواجه خطراً على حياتها في حال عدم إجرائها، رغم أنّ البحوث العلمية أثبتت أنّ أسباب خضوع النساء لهذه العمليات اجتماعية ونفسية وليست مرضية. لكن حدّاد أكدت أنّ «مسألة الغشاء هي المفصل الأساسي للمرأة الذي يمكنها أخذ حريّتها به. حينها فقط تتحرّر من سطوة الدين والرجل». هذه الكلمات أثارت اعتراض بعض المشاركين الذين عابوا على حدّاد خطابها «النسوي البورجوازي الذي يتكلّم في العموميات والمثاليات على الحرية والدين ويرفض أنّ يتطرق إلى الواقع النسائي الذي يختلف في العالم الرأسمالي باختلاف الطبقات الاجتماعية، والذي قد يحتّم على هؤلاء أحياناً تغيير أولوياتهن، إذ لا تكفي الصناعة الشعرية الفنية لتغييره».
في المقابل، بدا السرور على وجوه بعض الباحثين الأجانب الذين وافقوا على ما تقوله حداد، عن طرق التابوهات الجنسية عند العرب في الظروف الموضوعية الأكثر غرابة. من جهة ثانية، قدّمت الباحثة المغربية جميلة برغش من المغرب عملاً ممتازاً عن الظروف الاجتماعية والنفسية التي تعيشها نساء مغربيات أقمن علاقات مع رجال من دون زواج انتهت بإنجابهن أطفالاً وتخلّي رجالهنّ عنهن. وأشارت الباحثة المغربية إلى حذف كثير من هؤلاء النساء من «الذاكرة المجتمعية»، فهن يعشن معاً في المناطق الفقيرة من ضواحي «الدار البيضاء» العاصمة، حيث أقامت عوائل هؤلاء في بعض الأحيان «جنائز وهمية كاملة على أساس أن هؤلاء النسوة بمثابة الأموات».
وسألت الباحثة الإيطالية جيوليا جوادانولي عما إذا كانت تلك النسوة اللواتي يعيش معظمهن مع بعضهنّ «يمارسن الجنس المثلي». سؤال مشروع تحت مسمّيات علمية لكنّه ربما يخفي رغبةً ما سمّاها البروفسور جوزيف مسعد «أممية المثلية الجنسية» وجعل ذلك قمّة التحرّر الجنسي لدى الناشطين والباحثين الغربيين من دون الانتباه إلى فروق عميقة في النظر إلى الجنس بين الغرب والشرق حين نتطرّق إلى ذلك.
وظهرت إشكاليات منهجية مثلاً في عمل الباحثة الأنثروبولوجية زينب عامري من جامعة كارلتون (كندا) التي استعادت قضية «هند الحنّاوي» في مصر التي أنجبت طفلاً بعد زواجها عرفياً بالممثّل المصري المعروف أحمد الفيشاوي، لتتكلّم على انتشار أنواع أخرى من العقود الزوجية لم تكن شائعة من قبل مثل المسيار (زواج الزائر) والمصياف (يعقد أثناء الصيف) و«المتعة»، و«ذلك يخفي استراتيجية توفيقية بين تغيّر الواقع الجندري في العالم العربي التي تسببها هجرة الذكور إلى الخارج من أجل العمل، وصعوبة الظروف الاجتماعية الاقتصادية للنساء ومحاولة إيجاد مخارج دينية عبر زيجات مؤقتة يبيحها الشرع الإسلامي أكثر فأكثر». كان البحث ليكون مقبولاً جداً لو أنّ آخرين اعترضوا على الأرقام المبالغ بها المقدمة بشأن انتشار تلك الزيجات في العالم العربي. وخلص النقاش في المؤتمر إلى الإقرار بغياب أيّة أرقام يمكن الاعتماد عليها حين نتكلّم على العالم العربي.
لكنّ المؤتمر في الجامعة الأميركية لم يخلُ من الأبحاث المثيرة للاهتمام، إذ قدّمت الطالبة في الدراسات العليا من لندن لنكا بنيوفا بحثاً عن استخدام نواد ليلية في العاصمة الأردنيّة عمّان مضيفات من الاتحاد السوفياتي السابق، من أجل تمضية الوقت في محادثة زبائن المكان مقابل المال. لكن تُمنع تلك المضيفات من الدخول في علاقات جنسية مع الزبائن، ما جعل العلاقة الناشئة أقرب إلى نوع من التحليل النفسي اليومي.
رغم فائدة بعض أعمال مؤتمر «الشباب، الجنسانية والتعبير عن الذات في العالم العربي»، هناك تساؤل عن المنطلقات النظرية لكثير من الأبحاث التي تبتدع خطاباً استشراقياً وعنصرياً حول دراسة «الجنسانية العربية» تحت مسمّيات العلمية وأحياناً مع النية الصادقة للباحث الأجنبي أو العربي.