عكار | لم يكن ناصر سليمان، الطالب في ثانوية حلبا الرسمية، يتوقع أن يجري توقيفه بسبب بيان مكتوب باليد يوزّعه مع مجموعة من زملائه يعترضون فيه على وكالة التنمية الأميركية، ويوضحون لـ«أهلهم وزملائهم أن الأميركي البشع يريد أن يجمّل صورته المتوحشة في نفوسنا في أيام الفصح المباركة، ليمارس تغريبنا ويقتلعنا من هويتنا وجذورنا، مستخفاً بعقولنا، إذ يظن أننا ننسى أيديه الملوّثة بدماء الأطفال في فلسطين والعراق».


وقد أوقف سليمان في زنزانة في قصر العدل في طرابلس، وتذوّق بعد اقتياده مخفوراً إلى الحجز صفعات على وجهه، ممن لم يُلقّنوا على الأرجح أساليب «الشرطة المجتمعية».
قبل أن يوزع البيان على الطلاب، رُفعت لافتات على طرقات حلبا باسم جمعية نوتا والوكالة الأميركية للتنمية تدعو إلى المشاركة في إحياء مهرجان على ملعب ثانوية حلبا، يمتد من 23 نيسان الجاري إلى 26 منه. استفزّت اللافتات طلاب الثانوية الذين اعترضوا على رعاية الوكالة الأميركية للمهرجان، ووجهوا كتاباً إلى رئيس الجمهورية عبر الموقع الإلكتروني لرئاسة الجمهورية، طالبين التدخل لوقف المهرجان، كذلك انتشرت دعوات على الفايسبوك لعدم المشاركة.
تدخّل مدير الثانوية مهند حمداش لوقف الحملة المعترضة، واتصل هاتفياً بناصر سليمان باعتباره من أبرز الناشطين في الثانوية. ولمّا لم يقتنع، يقول ناصر، «استدعاني صباح الثلاثاء وطردني من دون مناقشة»، ولمّا همّ بالخروج تحرّك زملاؤه للخروج معه في حركة تضامنية، باعتبارهم مشاركين في توزيع البيان، فمنعتهم إدارة المدرسة. وقد فسّر ناصر الأمر بسعي الإدراة «إلى تخويفي، ظناً منها أنني العقل المدبّر للتحرك».
وبالفعل، ما إن خرج ناصر من حرم الثانوية حتى أوقفته مجموعة من رجال الأمن واقتادوه إلى مركز الاستخبارات في حلبا، حيث أجري معه تحقيق أوّليّ لم يتعرض في خلاله لأي إساءة، لكنه مُنع من إبلاغ أهله أمر توقيفه، وسُحب منه هاتفه الجوال، فسألهم عمّا إذا كان «مخطوفاً». ومن هناك نُقل مخفوراً إلى مركز استخبارات الجيش في القبة، وحققوا معه ثانية، ثم نقل إلى مركز الشرطة العسكرية ليتعرض لتحقيق آخر، وتقرّر بعد ذلك إرساله إلى سرايا طرابلس. وهناك الطامة الكبرى، يروي ناصر بخوف من تكرار ما جرى معه ممزوجاً بإحساس بالفخر والبطولة. فقد وُضع في زنزانة وإلى جانبه متّهم بالقتل بواسطة سكين، وآخر متّهم بالاغتصاب، وثالث موقوف بتهمة سرقة طبشور من إحدى المدارس. بعد دقائق نقل إلى زنزانة أخرى فيها موقوفون من حزب التحرير، وفي الطريق إلى الزنزانة خرج رجل أمن بملابس داخلية، فلانيل وشورت، و«أمسكني من عنقي ودفعني إلى الحائط وصفعني مرتين»، وقال لي «أخبرهم في مخفر حلبا إذا شئت». وبعد سؤاله عن اسمي أتبع السؤال بـ«صفعتين أخريين». مجموعة من المثقفين والناشطين العكاريين أعلنوا تأييدهم لرفض الطلاب دخول الوكالة الأميركية إلى ثانويتهم، وأدانوا تصرّف الإدارة مع طلابها، وعبّروا عن تنديدهم بتدخّل القوى الأمنية في أنشطة الطلاب وتحركاتهم ضمن حرم الثانوية.
من جهة أخرى، أصدر مدير الثانوية مهند حمداش بياناً برّر فيه قبول المنح الأميركية، وسخر من المنتقدين، وتنصّل من دوره في استدعاء الأمن لتوقيف الطالب، فـ«الاعتقال جاء نتيجة اتصالات قامت بها وكالة التنمية الأميركية»، بحسب البيان.