عاليه | ينهمك ربيع بتنظيف السيارة التي استأجرها من أحد أصدقائه بأجر يومي، أرخص من سعر السوق كما يؤكد، بهدف تأجيرها لزبائن من الخليج العربي. يركن الشاب سيارته أمام أحد مقاهي مدينة عاليه في انتظار اصطياد الزبون «المقرش». يقول بتأفف: «المصلحة متعبة جداً بسبب النظرة الدونية تجاه «السوّاق» وساعات العمل الطويلة والمكوث تحت أشعة الشمس الحارقة». لكن، ما باليد حيلة، فالشاب أنهى للتوّ عامه الجامعي الثالث وهو ينتظر الموسم بفارغ الصبر لتغطية قسطه ومصروفه خلال الشتاء. «هذه فرصتي الذهبية لتحصيل ما لا يقل عن 40 أو 50 دولاراً أميركياً يومياً»، يعلّق الشاب الذي يطمح إلى ترتيب صفقة مع أحد الزبائن، تنقله إلى إحدى دول الخليج «براتب محترم».

أما محمد فمرتبط مع أسرة كويتية، يترقب وصولها كل عام في مثل هذا الوقت. يطلب إجازة من الشركة التي يعمل فيها ليتفرغ لمدة شهر على الأقل للعمل سائقاً ومساعداً للأسرة في تلبية حاجاتها وترفيه أطفالها.
يبدو سعيداً كأنه بات شخصاً من العائلة و«أتعامل معهم كأهلي وأدخل إلى منزلهم من دون تكليف، وأشاركهم المأكل والمشرب والرحلات وحتى الأفراح والأحزان، وهم، بالطبع، لا يقصّرون معي أبداً بالمال والهدايا». يطلب منّا، ضاحكاً، أن لا نحرجه بسؤال عن المبلغ الذي يتقاضاه منهم، مشيراً إلى أنّهم «عرضوا عليّ السفر مراراً إلى الكويت للعمل هناك، لكنني أرفض لأنني بألف خير هنا ولا داعي للغربة وترك عائلتي».
هذه ليست حال الشاب عمر زين الدين الذي راح يندب حظه العاثر. يلفت إلى أنّه يعمل في الصيف وسيطاً عقارياً فيوفّر منازل للإيجار ويقبض عمولة من الفريقين. لكن هذا العام لم يتعدّ الحضور الخليجي إلى المنطقة حتى اليوم الـ 20% مقارنة مع السنوات السابقة. لا يخفي زين الدين أنّه يبحث عن عمل مختلف لاستغلال موسم الصيف.
وفي المقابل، يرفض نادر حمزة، وهو صاحب شركة تأجير سيارات، اعتبار العمل السياحي «مجرد هواية وفرصة عمل صيفية، بل هي عمل يومي دؤوب». ويسأل: «من قال إنّ السياحة تعني فقط الزوار الخليجيين؟ ولماذا لا ننظر الى السياحة الأخرى البيئية والاجتماعية والثقافية والرياضية؟ وهل المردود السياحي هو فقط ما نجنيه من مال، فيما نغفل المردود الثقافي وتطوير البنية التحتية؟». ويقول: «السياحة الداخلية أضحت مهمة، وهنا نعتمد بنسبة تفوق الـ 70% على الزبائن اللبنانيين، وتعمل مؤسستنا على توفير فرص عمل دائمة لعدد من الشباب مع فرص عمل موسمية». يضيف: «تعمل معنا في الشركة مجموعة من الشبان، منهم الجامعي والموظف في مجالات أخرى، ويمكن أن يكون الإنتاج اليومي لكل منهم ما لا يقل عن 30 دولاراً أميركياً كأجر، إضافة إلى إكراميات من الزبائن. ومع ذلك، لا ينكر حمزة أنّ الموسم هذا العام سيئ جداً وأعداد السياح الأجانب لا تذكر، والاعتماد فقط على المغتربين اللبنانيين».
يوافق أمين مهنا، صاحب مطعم موسمي في بحمدون، على أنّ «عجلة الاصطياف لم تتحرك بعد» كما يأمل الأهالي وأصحاب الفنادق، وأصحاب المنازل التي يؤجرونها صيفاً ليؤمنوا عبر بدلات الإيجار معيشتهم شتاءً، فضلاً عن قطاع تأجير السيارات، والسائقين العموميين. هذا يعني، برأيه، «أنّ صغار المزارعين لن يتمكنوا من تصريف إنتاجهم، وسيضطرون إلى تركه عرضة لابتزاز تجار الحسبة في بيروت، حتى إن سائقي التاكسي يبحثون عن سائح غير موجود، فيما تحوّل عمل موظفي المقاهي والمطاعم من خدمة الزبائن داخل المقهى إلى استجداء المارة من أمام المقاهي، بينما كانوا في السابق يعتذرون للرواد لعدم وجود أماكن». ثم يعلّق «إنّها مهزلة سنوية، حركة لا تحيي ولا تميت، بل تؤدي الى تخريب مزارعنا وحقولنا في فصل الصيف، فيما المطلوب أن ينكبّ شبابنا على عمل منتج ومجدٍ، بدل التسوّل على طلب رضى سيّاح لن يأتوا».
لكن هذا لم يحصل مع ياسر. فالشاب لم يتوقع أنّ عمله في ذاك النهار الصيفي من عام 2004 سيكون نقطة تحول في حياته ومستقبله. فقد طلبت منه شركة تأجير السيارات التي يعمل فيها العمل مع عائلة لبنانية بصفة سائق بأجر يومي قدره 25000 ل.ل لمدة أسبوع. لكن العائلة، بعدما تعرفت إلى ياسر وارتاحت لتصرفاته وهدوئه، عرضت عليه السفر معها إلى سويسرا حيث تؤمن له فرصة عمل واستكمال دراسته الجامعية هناك. وهكذا كان. اليوم يعيل ياسر عائلته في لبنان وقد أنهى اختصاصه الجامعي وبقي لصيقاً بالعائلة التي كانت سبباً في تغيّر حياته.
أما فادي، فقد أصاب في عرضه على أحد المواطنين القطريين شراء قطعة أرض وبناء منزل فخم عليها، وتحولت حياته من سائق موسمي إلى مشرف عام على ورشة لمدة ثلاث سنوات مع مرتب شهري وعمولة على البضائع. الوضع اختلف أيضاً مع سامر حين أقنع أحد المواطنين السعوديين بتأسيس شركة تأجير سيارات في لبنان وشاركه بنسبة 25% منها، لكن بعد إتمام المعاملات وانطلاق الشركة توقف السعودي عن التمويل واختفى ليتبيّن أنه دخل السجن لأسباب مالية وتتعرض الشركة لمساءلات قضائية قبل أن تبدأ ويسقط الحلم في مهده.