من قال إن الأحلام صعبة المنال في غالب الأحيان؟ ربما هم المتشائمون الذين يضعون العراقيل دائماً في خطواتهم، على عكس سيونغ كيم، الكاتبة الكورية الجنوبية الثلاثينية، الحالمة أبداً، التي قلبت حياتها من الأقصى إلى الأقصى، من فتاة تفكر في الانتحار هرباً من الفقر واحتقار الذات، إلى أخرى مُلهمة تقصّ أحلامها وأحلام الآخرين، من ضمنهم اللبنانيون. تحمل للناس في جميع بقاع الأرض رسالة واحدة: باستطاعتكم تحقيق أحلامكم.

إيجابيةٌ لم تولد مع كيم التي غلب على سنوات مراهقتها البؤس واليأس بسبب الفقر الشديد. مثل جميع المراهقين، تقول: «رغبت في أن يعترف بي العالم». الطريقة الوحيدة كانت لجوءها إلى القيام بـ«أمور سيئة لأنني لم أُحسن أداء الأشياء العادية أو الطبيعية». أدمنت الكحول والسجائر. في الثانية عشرة من عمرها، قررت رمي نفسها من برج عالٍ حين نهرها والدها لعدم غسلها سيارته. أما سلوكها في المدرسة فلم يكن أفضل. كانت تعيش في جو من الترهيب. كأن شيئاً داخلها كان لا يزال متمسكاً بالحياة. خافت أن تموت قبل الانتهاء من الكتب التي تود قراءتها. عدلت عن الفكرة من دون أن تتغير حياتها. تركت المدرسة وهربت من المنزل، وأصبحت مدمنة على المخدرات، واتبعت سلوك العصابات.
بقيت كيم على هذه الحال إلى أن استمعت إلى أغنية للفرقة الكورية «سيوتايجي»: «عد إلى البيت». أحست بأن الأغنية تخاطبها. «ما زلتِ شابة ولديكِ حياة جيدة. امسحي دموعك الباردة وعودي إلى البيت»، قالت لنفسها. أدركت أنه يجب عليها أن تتحرك إلى الأمام، بدلاً من إلقاء اللوم على الظروف. تمردت على واقعها، ورفضت تحقيق حلم أهلها بالزواج والعمل في أحد معامل القرية. أرادت تحقيق حلمها هي. كيم اليوم كاتبة، تملك شركة ترجمة في كوريا، مصورة، مُلهمة، والأهم أنها حالمة.
اليوم، تصارع كيم الموت من خلال الحياة. تدرك أنه قد يزورها فجأة، ويحرمها من تحقيق أمور كثيرة. وضعت لائحة بالأشياء التي تريد تحقيقها قبل أن تموت. كانت 73 حلماً وصارت 83. حتى اليوم، أنجزت 39 حلماً، منها «العيش خارج كوريا ( تقيم في لندن حالياً)، بناء منزل لأهلها، صعود جبال كيليمنجارو في أفريقيا، إصدار كتاب «اكتب حلمك، اكتب مستقبلك» الذي ضم أحلامها وأصبح الأكثر مبيعاً في كوريا عام 2010. بقي لديها الكثير. أن تصبح ممثلة في بوليوود في الهند... الخ. وتعمل حالياً، بعدما نجحت في مسابقة نظمتها «جوني ووكر» في كوريا، في مقابلة 365 شخصاً من دول أوروبية وآسيوية، لمعرفة أحلامهم، على أن تقابلهم مجدداً بعد عشر سنوات لترى ماذا حققوا منها.
تختار كيم حالميها بصورة عشوائية، لكن متنوعة. يهمها أحلام الكبار والصغار، التجار والأدباء، المتعلمون وغير المتعلمين، الأغنياء والفقراء... أحلام الأوروبيين والآسيويين متشابهة. الشباب يريدون النجاح المهني والسفر حول العالم، فيما يحلم الأكبر سناً بالسلام والصحة والسعادة. هل تستحق هذه الأحلام الكتابة؟ تقول: «كل شخص لديه قصة يرويها. والأهم أن كل شخص يملك الدافع لتحقيق حلمه».
تعمل كيم أيضاً على ربط الأحلام. قابلت خادمة سريلانكية تعمل في مسقط. تحلم هذه المرأة بأن تكون مع ابنتها في سريلانكا. حين تذهب إلى هناك، ستقابل كيم الفتاة لنقل حلم الأم إليها، وتسألها عن حلمها. في إيران، تَشارك الجميع في حلم الحرية. إلا أن أحدهم لم يجرؤ على كتابة حلمه. أما في جورجيا، فقابلت فتاة ريفية تحلم بالسفر إلى فرنسا ورؤية برج «إيفل». إنه حلم مستحيل بالنسبة إليها، هي التي لم تزر عاصمة بلادها بعد.
تحلم كيم بإصلاح العالم. تدرك أن حلمها هذا مستحيل، وخصوصاً أنه لا يمكن الجمع بين الطوباوية والواقعية. لكنها على الأقل، تسعى لأن تكون ملهمة. تقول: «لدى الجميع القدرة، لكنهم لا يلاحظون ذلك دائماً». يستطيع الإنسان «امتلاك العالم» إذا عرف أنه مميز ورسم طريقه من دون خوف. كيم وجدت طريقها. لا تعيش اليوم بلا الحلم. وبعد عشر سنوات، قد تجيبنا بدورها عن الأحلام الجديدة التي حققتها أيضاً.