«ربّ ضارة نافعة!». عبارة يردّدها كثير من أهل الضاحية اليوم، على الرغم من معاناتهم مع الكهرباء. ها هم أهل العاصمة، البيروتيون، «الرأسماليون»، «المخمليّون»، يجرّبون معاناة سكان الضاحية ولو ليومين حتى الآن. طغت مشاعر «الشماتة» على مشاعر المساواة والعدالة لدى «الضاحيويين». لم يعودوا وحدهم رهينة «إذلال» الكهرباء ليومياتهم. كُسرت معادلة بيروت خط أحمر. هؤلاء الذين لم يعتادوا ترتيب حياتهم على أساس الكهرباء، بات عليهم تغيير نمط عيشهم. ذهب عليّ أبعد من ذلك. لم يعد يتمنى مجيء الكهرباء في الشياح، بقدر ما ينشد قطعها في بيروت. يبدو عاجزاً عن لجم ضحكته. يضع يديه على صدره متشفياً. تطول لائحة الأفكار. الأمر طبقي بامتياز. كأنّ الكهرباء جاءت لتنتقم للفقراء والمعدومين من البيروتيين المرفّهين! تقويم طبقي يستخدم «الحق» كسلاح. وفي نهاية المطاف، الجميع ضحايا.

لا تعاني منطقة الضاحية وحدها انقطاع الكهرباء اليومي، إلا أن باقي المناطق لم تشعر بـ«الشماتة» حيال البيروتيين. وإذا كان تعبير الشماتة قاسياً بعض الشيء، فلنقل المساواة أو العدل. بدت غالبية المناطق بعيدة عن التفكير بهذا المنطق، باستثناء أهل الضاحية. ريمي، التي تقطن في المنصورية مثلاً، استغربت السؤال. لا يهمها إن عانت بيروت أو لم تعانِ انقطاع الكهرباء، «هذا لن يجلب الكهرباء إلى المنصورية».
آخرون عبّروا عن تعاطفهم مع أهالي بيروت. يعرفون أن هؤلاء ليسوا جميعاً أثرياء، أو يتنقلون بين العواصم الأوروبية باستمرار. هم أيضاً جزء لا يتجزأ من الشعب اللبناني، الذي «تذلّه» الدولة من خلال عدم تأمينها حاجاته الأساسية من كهرباء ومياه، إذا أوقفنا العد عند هذا الحد. فاللائحة تطول. «الانتقام» الحقيقي بالنسبة إلى البعض يكمن في قطع الكهرباء ولو لساعة عن بيت أحد المسؤولين. ليس من شعور يُعادل أن يضطر هذا المسؤول إلى البحث عن شمعة وإضاءتها. مشهدٌ لو تحقق، فسيدفع بعض اللبنانيين إلى قبول العيش من دون كهرباء لمدة شهر! إلا أنه أمرٌ لن يتحقق بطبيعة الحال، مع وجود الطبقية السياسية والمحسوبيات في البلد.
المشاعر في الضاحية كانت متقاربة. صحيح أن ما حصل لمحطة الزهراني أثّر في كل لبنان، حتى الضاحية، التي باتت كهرباء الدولة تزورها ساعات قليلة في اليوم فقط، إلّا أن «السعادة» ارتسمت على وجوه الكثيرين، وخصوصاً حين لجأ بعض البيروتيين إلى قطع الطريق بواسطة الإطارات المشتعلة في كورنيش المزرعة. لجأوا إلى الأسلوب ذاته، هم الذين لطالما انتقدوه وعدّوه «غير حضاري». يقول محمد «لم أشعر بالشماتة، بل بسعادة خفية. فالإنسان لا يعرف قيمة أمر ما إلا حين يفقده. بات الآخر قادراً على اختبار المعاناة التي أختبرها يومياً». ويضيف «توجد نفحة طبقية في الأمر»، متسائلاً «لماذا يجب أن يكون قطع الكهرباء عادياً لدى طبقة الفقراء المعدومين؟ يجب أن ينسحب الأمر على البيروتيين المخمليين، وإن كان بينهم فقراء».
رأى محمد أن توحيد المعاناة قد يدفع إلى ضغط أكبر لحل المسألة بعدل. لا يفوته الحديث عن ثقافة حرق الدواليب غير الحضارية التي استعارها البيروتيون الحضاريون، كأنه يريد أن يقول لهم: «الحاجة تبرّر الوسيلة». فالأمر غير الحضاري في رأيه هو قطع الكهرباء. ويتابع «حين يختفي الضوء بكبسة زر، أشعر بأنني صرصور». ويشرح «نعيش في عصر قائم على الآلة. باتت حياتنا مبرمجة على الثلاجة والغسالة والتلفاز والإنترنت. ثم يقرر شخص أخاله بشعاً، أسنانه كبيرة وحاجباه كثيفان يتحركان بمكر، قطع الكهرباء بحركة من يديه. أتحوّل إلى صرصور لأن الفرق بيني وبينه يكمن في أنه لا يزال على حاله، فيما أنا طورت حياتي».
الارتقاء البشري الذي يُسحب من خلال الكهرباء ليس بالأمر السهل. التقنين يجبرك على تغيير مواعيد إعداد الطعام والاستحمام وغسل الثياب وكيّها ... إلخ. سبب كافٍ دفع بأم نادر إلى الشماتة بأهالي بيروت، علماً أن ابنها يقطن في منطقة الظريف، وكان مشرّداً خارج بيته خلال اليومين الماضيين.
ماذا عن البيروتيين؟ هل شعروا بمعاناة غيرهم؟ يصب الجواب لدى البيروتيين سريعاً باتجاه الضاحية. تقول أماني (طبيبة أسنان)، القاطنة في تلة الخياط، إنها «شعرت قليلاً مع أهالي الضاحية»، لكنها تبرر «نحن في العاصمة. ليس الأمر محصوراً في انقطاع الإنترنت على سبيل المثال. الثقل الاقتصادي موجود هنا». اضطرت أماني إلى إلغاء مواعيد مرضاها بسبب الكهرباء على سبيل المثال، لكن ألا توجد عيادات لأطباء أسنان في الضاحية؟ تجيب: «فليحتكموا إلى نوابهم الذين انتخبوهم، ورأوا أنهم الأكفأ والأقدر على حل مشاكلهم».
بدورها، تلفت سلام إلى مشكلة أخرى تتمثل في عدم جهوزية أهالي بيروت لقطع متواصل للكهرباء، حيث تغيب الاشتراكات بالمولدات الكهربائية، بعكس الضاحية، فيما يلجأ البعض سريعاً إلى الرد بتهمة «سرقة أهالي الضاحية» للكهرباء. اتهام دائم الجهوزية يستثني الكثيرين الذين يدفعون بمعدل مئة دولار شهرياً لتأمين الكهرباء، وإن كان «تعليق الكهرباء» في الضاحية أمراً شائعاً، في رأي البعض أيضأً. عفيف يلفت أيضاً إلى أن بيروت ليست من طائفة واحدة أو طبقة واحدة، متسائلاً عن الغضب الذي حلّ عليها دفعة واحدة. أما لينا، فقالت إنها كانت لتتعاطف لو أن «القضية لم تكن سياسية محضاً؛ فبرّي (رئيس مجلس النواب) يريد تلقين عون (النائب) درساً على حسابنا».
حتى أمام هذا المصاب، الذي لفّ لبنان كلّه بالعتمة، لم يتوحّد اللبنانيون.