«قاهر داعش». هذا هو اللّقب الواجب إطلاقُه على الشهيد خالد أسعد الجاويش (أبو وليد ـ 1932 – 2015). لقبٌ يتجاوزُ الأُطر الإعلاميّة والرّمزية، ويعكس حقيقة ما حصل: الشّهيد قهرَ «داعش» حقّاً. لو أراد الرّجل الاستمرار على قيد الحياة، لما كان في حاجةٍ إلى أكثر من الرضوخ لطلب وحيدٍ حاولَ جلّادوه المستحيلَ لإجباره على تنفيذه، لكنّه رفضَ، فقهر «داعش» والمستحيلَ معاً. وبعيداً عن لائحة الاتهامات البائسة التي روّج التنظيم أنّها كانت السبب في إعدام البطل التّدمري، تُشير معلومات مؤكّدة إلى أنّ الغاية التي سعى إليها «داعش» كانت موافقة خالد أسعد على تقديم فروض الطّاعة للتنظيم، وإعلانه «البيعة».


حينَ اعتقله التّكفيريّون قبل أكثر من شهر، حقّقوا معه أيّاماً، قبل أن يُحيلوه على «الاستتابة». والأخيرة هي إجراء أشبه بـ «دورة إعادة تأهيل» وفقَ منظور التنظيم المتطرّف، يكفي رضوخُ «المُستتاب» لها، وإعلانه «التّوبة» حتّى يُحقن دمُه. «بايِع تنجُ، وتَفُزْ»؛ هذا هو العرض الذي قدموهُ له. من السّهل تصوّر إقدام كثيرٍ منّا على قبول عرضٍ من هذا النّوع بدافعٍ من «حلاوة الرّوح»، لكن البديهي أيضاً أنّ رجلاً من طراز خالد أسعد ما كانَ له أن يفعلَها. لم يكن الرّجل عموداً من أعمدة تدمر، بل كان كلُّ واحدٍ من أعوامه الثلاثة والثمانين عموداً تدمريّاً. لو بايعهم، لمنحَهم فرصةً إحداث تحوّل اجتماعي، وربّما نصّبوه «أميراً»، لكنّه رفض ببساطة كما يفعلُ فارسٌ مثلُه.
يؤكّد المدير العام للآثار والمتاحف في سوريا مأمون عبد الكريم أنّ «الشّهيد كان أهم شخصية اجتماعية في تدمر، هو بمثابة الحاكم الاجتماعي الفعلي». يقول عبد الكريم لـ«الأخبار»: «لو بايعهم بما يمثله من رمزيّة ومرجعيّة لضمنوا مبايعة معظم سكان تدمر، لكنه رفض. كان طيلة حياته جريئاً إلى درجة مخيفة، وبقي كذلك حتى آخر لحظة». ويضيف: «رفضُه البيعة، أسقطَ شرعية الدواعش. خالد أسعد مقاومٌ من طراز رفيع، هو رمز للصّلابة التدمريّة، لكأنه أذينة». وكما كان رفض التّدمريّ طبيعيّاً ومنسجماً مع ما جُبل عليه، جاء ردّ فعل «داعش» منسجماً مع تطرّفه، فانتقم من قاهرِه بقطع رأسه.
يقول عبد الكريم «هذه رسالة إرهاب. قرّروا قتله بهذه الطريقة لتلقين أهالي المنطقة درساً مفادُه: هذا جزاء من يخالفنا». قبل أشهر طويلة، كتب خالد أسعد على صفحته على فايسبوك: «حبّي لتدمر وعشقي لها لا يوازيه أي شيء في الدنيا، زرتُ معظمَ مدن العالم شرقاً وغرباً، ولو خُيّرت بينها لاخترت تدمر». لم يكن هذا مجرّد كلام في الهواء يشبه ما يكتبُه معظمُنا في لحظة فوران عاطفي. وليسَ أدلّ على ذلك من أنّ «الاستتابة» لم تكن الفرصة الوحيدة أمامَه للنّجاة، لقد كان الهربُ متاحاً له، وحاول معظمُ من يعرفه إقناعَه بمغادرة تدمر مع وصول الغُزاة إلى تدمر (الأخبار 1/6/2015). لكن؛ كيفَ يُمكن لمثله أن يغادرَ مملكته؟ يروي عبد الكريم جانباً من محادثة هاتفيّة دارت بينهما قبل ثلاثة أشهر: «قلت له: اترك المدينة أنت ووليد (ابنه الأكبر، والمدير الحالي لشعبة آثار تدمر).


لو بايعهم بما يمثله من
رمزيّة ومرجعيّة لضمنوا مبايعة معظم سكان تدمر

أنتم عائلة مستهدفة، يجب أن تخرجوا. قال: أنا ولدت بجوار معبد بِل، ولن أغادر. لن أتقاعس ولن أكون جباناً». كذلك، يؤكد زكريّا أسعد (ابن الشهيد المقيم خارج سوريا) أنّه حاول كثيراً إقناعه بالمغادرة، من دون جدوى. يقول زكريّا لـ «الأخبار»: «استطعت محادثته ثالث أيّام عيد الفطر عن طريق اتصال انترنت فضائي. قلت له: يا أبي أستحلفك بالله الذي تعبده أن تذهب إلى حمص أو دمشق أو أي مكان».
يصمت الشاب لحظات، ثم يضيف: «كان جوابه: يا ابني أنا وتدمر مثل السمك والماء، إذا طلعت منها رح موت شوق وقهر. أنا ابن تدمر، خلقت فيها وعشت وأكلت من خيرها، ورح موت فيها». ويبدو أنّ الشّهيد كان يرى في بقائه فصلاً أخيراً من فصول رسالة الفارس الّذي لا يُغادر معركةً ولو كان احتمال خسارتها كبيراً. هو الذي اختتم ذلك الحديث مع ابنه زكريّا بالقول: «يا ابني، إذا كلنا طلعنا من تدمر مين رح يبقى فيها؟ طول عمري أعمل مشان شوف تدمر وآثارها شامخة، وهذا أكثر وقت محتاجتني فيه. ما رح أتخلّى عنها، ولا رح أتركها إلا إلى القبر». يواصل الشاب: «قلت له: يا أبي داعش لن يترك أمثالك بخير، فكان جوابه: والله لن يفعلوا بي إلا ما كتبه الله لي».
قبل عام من الآن، نشرَ ابن تدمر على صفحته على فايسبوك صورة لمدينته، مع عبارة «صباح الخير أيتها الأعجوبة». اليوم، وكل يوم سنقول له: صباح الخير يا حارس الأعجوبة. وسنقول لأنفسنا: ليس صحيحاً أنّنا عشنا في زمن أنصاف الرّجال، فهؤلاء مجرّد طَفح زائل. وسنقول لأنفسنا: لقد عشنا في زمن الفارس خالد أسعد التّدمري، قاهر «داعش».