دمشق ـــ في بداية محاضرته قبل أيام في «المركز الثقافي الفرنسي» في دمشق، أوضح المستعرب والباحث الفرنسي إيف غونزاليس ـــ كيخانو أنّ ما سيقدمه هو مجموعة ملاحظات على الفن العربي المعاصر، دوّنها خلال عمله في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى في السنوات الأخيرة. وأضاف أنّ هذه الملاحظات تبتعد عن النقد، وتنطلق من عمله في البحث الاجتماعي البعد الثقافي للفن العربي ودخوله ثورة التسويق في زمن العولمة. «سأطرح نظرة خارجية إلى الساحة الفنية السورية من دون أحكام قيمية»، قال كيخانو.

تساؤلات كثيرة طُرحت خلال المحاضرة، تتعلق بمفهوم القيمة الاقتصادية للأعمال التشكيلية، والقواعد التي تحكم سوق الفن السوري: «هذه التساؤلات طرحها الغرب منذ قرون. لكنّها حديثة على الفن العربي». بعدها، انتقل ليشرح تجربة مهمّة في عالم التسويق الفني، كرسها الفرنسي مارسيل دوشان الذي قال إن «حركة الفنان هي التي تصنع العمل الفني. أما القيمة الاقتصادية للعمل فيحددها مدى تبني المجتمع الثقافي أو السوق لنتاج الفنان». وهذا ما ينطبق على تجربة خوان ميرو (1893 ـــ 1983) الذي أحرق عدداً من لوحاته، احتجاجاً على تسليع أعماله. وقد أسس الفنان الإسباني المذكور اتجاهاً ازدهر في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، واستقطب فنانين بارزين، تصدّوا لما تتعرضّ له إبداعاتهم من تسليع.
وهنا انتقل إيف غونزاليس ـــ كيخانو إلى سوق الفن في سوريا، انطلاقاً من الفورة التي عرفها هذا الفن، والفن العربي عموماً، خلال العقد الأخير. فقد أسهمت تأثيرات «الموضة» التي أحاطت بتجارب أساسيّة طالعة من المنطقة، في فتح الأسواق العالميّة بوجه الأعمال والأسماء العربيّة: «إنها قصة نجاح تنطوي على مخاطر عدة، لن تظهر تداعياتها سريعاً، على مستوى جمالية الفن العربي وخصوصيته. فهل سينجح في المحافظة على ملامحه وعلاقته الوطيدة بواقع معيّن، ورسالته الثقافية والجمالية في مواجهة هذا النجاح السريع؟ أم سيتحول سلعةً تلبي حاجات الذوق، وتقتصر على طبقة اجتماعية محددة؟».
أمام التطور السريع للفن العربي المعاصر، وتحكّم مفاهيم جديدة في تسويقه تخضع لقوانين العولمة، تعاملت الجهات الرسمية العربية، وخصوصاً السورية، مع المسألة بلامبالاة، ما أسهم ـــ حسب كيخانو ـــ «في دخول وسائل تمويل خاصة كرست مفهوم الخصخصة في سوق الفن، مثل «صالون الشباب» في مصر الذي بدأ عام 1989. لكن سوريا تأخرت على اللحاق بهذه الموجة حتى بداية 1995 حين تكاثرت صالات العرض الخاصة مثل «أيام» و«آرت هاوس» وغيرها». كل هذا ساعد في تطور سوق الفن في سوريا مع بداية 2005، بعد توقيع بعض الفنانين السوريين، عقود احتكار مع أصحاب هذه الصالات، ما أدخل مفهوم الاحتراف إلى سوريا. وأسهم مناخ الانفتاح الاقتصادي العربي أيضاً، في دخول كبار المستثمرين من الخارج للعمل في سوق الفن. «كل ما سبق أوجد مزادات وبورصة للأعمال الفنية».
حاول المستعرب الفرنسي المقيم حالياً في دمشق، تبني الحيادية في قراءته للسجالات الذي دارت قبل أشهر قليلة بين بعض الفنانين السوريين وأصحاب صالات العرض. ورأى أنّ الموضوع لا يتعدى الخلاف بين تيارين: «الأول يمثله الفنان يوسف عبدلكي الذي يحاول ربط تجربته الفنية بهموم الإنسان، لتكريس نوع ذاتي من الالتزام. والثاني لا يرى في العمل الفني سوى قيمة جمالية بصرية. بالنسبة إلى عبدلكي، ينبغي للعمل الفني أن يتعدى فكرة التمتع الجمالي، ليقدم رسالة ذات مغزى فكري اجتماعي». وهذا ما جعله ينتقد بعض التجارب الفنية مثل صفوان داحول، وصالات العرض مثل «أيام»، فقد أسهم الطرفان برأي عبدلكي في هيمنة السوق على القيم الجمالية والفكرية الأخرى. هكذا باتت تبعية الحركة الإبداعيّة هي لأصحاب شركات التجارة الفنية، في ظل غياب تام للدولة.
وإذا كان من المستحيل اليوم العودة إلى المفاهيم الفنية القديمة، كما اعترف إيف غونزاليس، فإلى أي مدى ما زال بوسع هذا الفنّ أن يفلت من أيدي التجار الدوليين الذين يحددون شروطه؟ «يملي بعض الخبراء الدوليين والمتاحف العالمية، شروطهم على الفنانين العرب في تحديد المواضيع والأساليب الملائمة لسوق البيع. إنه عصر فني عربي غاب فيه أصحاب الخطابات والنظريات الكبرى. لن يكون لدينا بعد اليوم فاتح المدرس أو لؤي كيالي في الفن، وعبد الرحمن منيف أو نجيب محفوظ أو محمود درويش في الأدب»...
وكما كان متوقّعاً، فإن الأوساط التشكيلية السوريّة سرعان ما تلقّفت محاضرة كيخانو، لتغذّي نقاشاتها المختلفة. يوسف عبدلكي الذي حضر الندوة قال لـ«الأخبار»: «يمكننا الربط بين فورة الغاليريات والفوائض المالية التي تكدست في الخليج بعد احتلال العراق عام 2003، وتأثيرها في الدول المجاورة». يرى الفنان السوري العائد إلى بلده بعد سنوات النفي الطويلة، أن ذلك ساعد في خلق ظاهرة المزادات الفنية وأساليب تشكيلية جديدة، يسعى أصحابها إلى إرضاء المارد المالي المسيطر. وعند هذا المفترق، برأيه، «تبدلت قواعد العمل الفني، وحلت مكانها منظومة جديدة، لا علاقة لها بالفن أو الثقافة». وفتح عبدلكي النار على الغاليريات السوريّة، معلناً أن معظم أصحابها «يعانون من قصر نظر ثقافي، وباتوا يفرضون أسلوباً يناسب مفهوم التجارة والتسويق». باختصار، إنّه صراع لن يحسم سريعاً، بين رأس المال المتغطرس الذي يفرض شروطه، وبين الفن الحقيقي صاحب البعد الإنساني الذي سينتصر في النهاية...
أما أسامة دياب، فله في الموضوع رأي آخر. التشكيلي الشاب المتعاقد مع «غاليري أيام»، يذكّر بأن «مفهوم الغاليري أو الاحتكار موجود عبر التاريخ، لكن ما يحصل اليوم في سوريا هو تمتع أصحاب هذه الغاليريات بسلطة مالية كبيرة، مكنتهم من السيطرة على السوق، وتحديد شروطهم. مع ذلك، لا أحد يتدخل في ما يريد الفنان قوله أو تقديمه». ويمضي دياب: «ما زال مبكراً إطلاق أحكام نهائية على ما يحدث. أنا كغيري من الفنانين الشباب، وجدت في اتفاقي مع «أيام» مساحة وفرصة حقيقيتين».
لدى زيارته في محترفه، كان الفنان السوري صفوان داحول هادئاً كعادته. يقول: «ما يدور اليوم في أوساطنا التشكيلية من سجالات في مفاهيم خصخصة الفن السوري، تجاوزه العالم الغربي منذ 150 عاماً». ويرفض داحول ما يطرح من قيام أصحاب الغاليريات الذي يتعامل معها، بفرض شروط على عمله: «علاقتي مع «أيام» قائمة على الاحترام المتبادل، يرسم حدودها باب محترفي. وتبدأ عندما أسلم الغاليري ما أنجزته من لوحات».
ولعلّ سبهان آدم هو الأقسى بين زملائه في الحكم على تلك الظاهرة الجديدة: «المسألة لا تتعدى لعبة ثقافية الظاهر، اقتصادية وسياسية الباطن، غير بعيدة عن ممارسات المافيا الدولية. الطريف أن من يحدد شروط هذه اللعبة هو الغرب، الذي لم يعترف يوماً، بتاريخنا أو بحضارتنا العربية». ويتّهم آدم الشركات العالمية التي تعمل في تجارة الأعمال الفنية العربية بأنّها «تهدف إلى تشويه صورة الفن العربي عالمياً، وتجريده من هويته وأصالته».



بين استغلال وترويج

ترك خالد سماوي (الصورة) مجال العمل المصرفي، كي يؤسّس «غاليري أيام» عام 2006. واليوم قد يكون له حصة كبيرة في السجال حول تسليع الفنّ العربي، وخصوصاً أنّه أطلق موضة المزادات العلنيّة. عبر فروعها الثلاثة في بيروت ودمشق ودبي، «احتضنت» «أيام» العديد من الفنانين. كثيرون اتهموا سماوي باستغلال الفنانين، لكن الأخير يرى أنّ «سوق الفن في الشرق الأوسط يُخلق الآن، ومن الضروري أن نأخذ نحن مبادرة الترويج لأعمالنا».