دمشق- «الأخبار»

احتشدت القاعة الشامية في المتحف الوطني في دمشق أول من أمس الأحد بمئات المعزّين برحيل خالد أسعد. وكان في مقدمة الحضور في الحفل التأبيني الذي أقامته وزارة الثقافة، نائبة رئيس الجمهورية نجاح العطار، بالإضافة إلى عشرات الشخصيات الثقافية والعلمية والإعلامية. كان الفقيد حاضراً في المكان، سواء في حديقة المتحف التي تضم بعض آثار تدمر التي أسهم الراحل في اكتشافها وترميمها، أو في القاعة الشامية التي كانت تبث شريطاً تسجيلياً بعنوان «وتشهد الحجارة» عن إنجازات الراحل خلال عمله في مديرية الآثار في تدمر.

في الواقع، لم يكن أسعد مجرد عالم آثار، إنما كان ذاكرة المدينة القديمة ومكتشف معظم كنوزها الأثرية. طوال نصف قرن، وضع مدينته في واجهة المدن الأثرية في العالم، وتمكّن من تسجيلها في منظمة الأونيسكو، كأحد المواقع الأثرية المهمة، وهذا ما حدا بالمديرة العامة للأونيسكو ايرينا بوكوفا إلى أن تقول إثر خبر إعدامه «لقد قتلوا رجلاً عظيماً، لكنهم لن يتمكنوا من إسكات التاريخ».


بثّ شريط تسجيلي عن إنجازاته بعنوان «وتشهد الحجارة»

في الشريط، نتعرّف إلى أبرز المحطات التي وضعت خالد أسعد في مقامٍ أثريٍ خاص، منذ مطلع الستينيات إلى اليوم. بدأ عمله رئيساً لشعبة الحفريات، ثم مديراً للآثار في تدمر. هكذا اكتشف قسماً كبيراً من الشارع الطويل في المدينة الأثرية، وتمثال «حسناء تدمر»، كما أشرف على ترميم المسرح الأثري في المدينة، هذا المسرح الذي شهد أعظم العروض الموسيقية والغنائية طوال عقود، قبل أن ترفع «داعش» علمها الأسود فوق المنصّة.
أعمال هذا الرجل الاستثنائي إذاً، لا تخص سوريا وحدها، إنما تلقي بظلالها على كل المتاحف العالمية، نظراً لجهوده في تصدير صورة تدمر إلى العالم عبر مجموعة من الكتب القيّمة، على خلفية إجادته اللغة الآرامية التي أضاءت معلومات نادرة عن تاريخ هذه المدينة. هكذا نكّست المتاحف الإيطالية أعلامها حداداً على رحيل هذا العالم الفذّ، كما دانت شخصيات عالمية اغتياله، وهمجية برابرة العصر، وظلامية الفكر التكفيري. من جهته عبّر الباحث الأثري علي القيّم عن فداحة خسارة هذه القامة العالية بقوله: «شكّل تحالفاً فوتوغرافياً مع زنوبيا ومدينتها ضد النسيان ورفض بيع ذاكرته لغيلان الظلام من الإرهابيين التكفيريين»