يواصل عدنان المنصر النبش في تاريخ تونس المعاصر. لا شيء يثنيه عن ذلك، رغم صعوبة الخوض في هذا الميدان، وخصوصاً أنّ سنوات ما بعد الاستقلال، ما زالت تلقي بظلالها على راهن البلاد. كما أنّ إرث الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة (1903 ـــــ2000) لا يزال راسخاً في الوعي الجماعي للشعب التونسي، يستحضره كلّما قسا عليه الزمن. جيل الاستقلال، لم ينسَ بعد صورة بورقيبة في التلفزيون الحكومي، بما تمثّله من تزاوج بين الحداثة والأصالة. لكن ذلك لا يعني الانحياز أو ترك المجال للمشاعر، فـ«دور المؤرّخ هو تلخيص الزمن وتقديم العبر»، كما يذكّرنا المنصر.

يشارك المؤرّخ التونسي حالياً في سلسلة ندوات لتقديم كتابه الجديد «الدرُّ ومعدنه: العلاقة المتوترة بين الحزب الحاكم والحركة النقابية في تونس، 1924 ـــــ 1978: جدلية التجانس والصراع». هذا الكتاب كان قد أنجزه بنسخة أوليّة، في إطار بحثه الدراسي للحصول على ماجستير في التاريخ عام 1991. وفي هذا الإطار أعاد اكتشافه الجمهور خارج الإطار الأكاديمي، وحاولنا بدورنا أن نستعيد بعض المحطّات من مسيرته العلميّة الغنيّة.
ولد المنصر في قرية «منزل كامل» الساحلية، ولم يسلم من تأثير عائلته التي كانت تحثّه على التشبّع بالأدب بمختلف أصنافه. كانت مكتبة المنزل تعجُّ بدرر الأدب العربي التي جمعها والده أستاذ اللغة العربية في مدرسة القرية. لم يكن عدنان المنصر تلميذاً مجتهداً... لكنّ حادثةً بسيطة، حوّلت مسار حياته خلال المرحلة الثانوية. يومها، طُرد من المدرسة لمدة ثلاثة أيام، ما أثّر تأثيراً مؤذياً في حالة والده النفسيّة. ورغبةً منه بالتعويض عن خيبته والده، انكبّ على تحصيل المعرفة بشغف، فأصبح متميزاً في دراسته، ليدخل لاحقاً «المدرسة العليا للمعلمين».
في مطلع الثمانينيات، كانت البلاد على صفيح يحترق، على وقع الحركات المطلبيّة، ولم يكن للمنصر علاقة مباشرة بالعمل السياسي، إلّا من خلال مساهمته حينذاك في بعض التحركات النقابية ضمن إطار «الاتحاد العام لطلبة تونس» (المقرّب من الإسلاميين قبل حلّه). يتذكّر اليوم: «كنت أناضل حينها من أجل استقلال الاتحاد عن التيار الإسلامي في الجامعة، وعارضت الإضرابات التي تأخذ صبغة حزبيّة ضيّقة». كان لا بدّ من تقويم التجربة لاحقاً، ليخلص إلى درس أساسي سيصبح من ركائز عمله العلمي: «الإيديولوجيا تقلّص حرية البحث».
انغمَس المنصر في تحصيل المعرفة، وعمل في العديد من الجمعيات الثقافية، مثل «مدارات معرفية» التي كتب في مجلتها، لكنّ ضيق أفق العمل الحر في الهيئات المدنية، وغياب الحريات السياسية في تونس قلّصا دائرة انتشار نشاطه الثقافي. «من الصعب جدّاً أن يعمل المرء في مناخ من الطمأنينة، نادراً ما شعرت في هذا البلد بأنّني قادر على قول ما أريد». ويمضي في استعادة مشاغله خلال تلك الفترة، «كنت مأخوذاً بمحاضرات الجيل المؤسس للجامعة التونسية أمثال حافظ ستهم، وهشام جعيط، وعلي المحجوبي، الذين أعطوني مفاتيح فهم سيرورة التاريخ وفلسفته». استفاد المنصر من توجيهات الأساتذة علي نور الدين (التاريخ الحديث)، وعبد اللطيف مرابط (التاريخ القديم)، ومحمد سعيد (التاريخ الوسيط)، وحاز درجة «الأستاذية» في التاريخ والجغرافيا في سوسة عام 1989. تلك الشهادة أهّلته للحصول على منحة دراسيّة للمتفوقين من أجل نيل شهادة الكفاءة في البحث التاريخي، وعلى منحة ثانية مكّنته من المشاركة في مناظرة الحصول على شهادة الماجستير في التاريخ...
لاحقاً، انتقل إلى «المعهد العالي لتاريخ الحركة الوطنية» بصفة أستاذ مساعد في التعليم العالي. هناك، وقع على آلاف الوثائق الأصلية والثمينة، لحقبة مهمة من تاريخ تونس، إبان الاحتلال الفرنسي بين عامي 1881 و1956. «كنت مكلّفاً بجمع مواد الأرشيف التي نحصل عليها من فرنسا، ونسخها في ميكرو فيلم». طيلة فترة وجوده في المعهد، اطّلع عن كثب على تفاصيل الحياة السياسية خلال حقبة الاستعمار الفرنسي. «من حسن حظي أنّني كنت أتقاضى راتباً شهرياً مقابل إنجاز البحوث والدراسات، وهي فرصة لا تتاح غالباً».
إلى جانب نشاطه الأرشيفي، أصدر المَنَصر مع الباحث حسين رؤوف حمزة، مجلة «روافد»، التابعة لـ«المعهد العالي لتاريخ الحركة الوطنية»، وهي أوّل دورية تصدر عن مؤسسة عامة للأبحاث في تونس. كتب في الأعداد الخمسة الأولى منها، وأعدّ الكثير من الدراسات عن طبيعة المؤسسات السياسية، والنظم الاجتماعية التي كانت قائمة في تونس في فترة الاستعمار، لينتهي المطاف به مدرّساً في كلية الآداب في مدينة سوسة، حيث ترأس قسم التاريخ بين 2002 و2005.
«لقد عانيت الرقابة على النصوص التي كنت أكتبها عن تاريخ تونس في زمن حكم بورقيبة» يسرّ إلينا. وهذا أمر غير مستغرب في بلد تكمَّم فيه الأفواه بطريقة ممنهجة. وكان أهمّ ما توصّل إليه في نشاطه الأكاديمي أنّ ادعاءات بورقيبة بشأن كونه مؤسس الدولة الحديثة، لم تكن صائبة بالكامل. قسم كبير من النظام السياسي التونسي يقتبس تراتبيته من الحقبة الفرنسية. حتّى إنّ بعض المؤسسات المحلية لا تعدو كونها امتداداً لهياكل العهدين الحسني والحفصي، مثل منظومة القضاء و«القايد» (عمدة القرية). غير أنّ الحبيب بورقيبة أفقر تلك المؤسسات من محتواها، وجعل من الجمهورية وعاءً مفرغاً من أيّ مضمون ديموقراطي.
في كتابه الذي صدر أخيراً «الدر ومعدنه، دراسة في الخلافات الدستورية النقابية في تونس»، يدرس المنصر العلاقة التي ربطت نظام الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة بالمنظمات النقابية خلال الفترة الفاصلة منذ عام 1924 تاريخ تأسيس «الحزب الدستوري التونسي» (سلف الحزب الحاكم حالياًَ)، حتّى عام 1978 الذي شهد أوج المعركة بين الدولة، و«الاتحاد العام التونسي للشغل». كان الاتحاد المذكور يعدّ آنذاك أبرز منافس جماهيري لسلطة بدأت تتآكل في ذلك الزمن. انتظر الكتاب خمس سنوات، قبل أن يقرّر صاحبه طبعه على نفقته الخاصة بعدما رفضته دور النشر التونسيّة على اختلافها. وها هو يلقى حالياً الكثير من الأصداء الإيجابية. بعد الانتهاء من ماراتون المحاضرات بين المكتبات ومقارّ الأحزاب لمناقشة الكتاب، سينكبّ عدنان المنصر على كتابة كتاب صغير يتحدث فيه عن تاريخ مدرسته الابتدائية في «منزل كامل»، التي احتفلت قبل سنتين بالذكرى الثمانين لتأسيسها. «مجرد استراحة قصيرة، قبل أن أعود إلى البحث عن تاريخنا المعاصر»... هذا التاريخ الذي ما زال يلفه الكثير من الغموض.



5 تواريخ

1966
الولادة في قرية «منزل كامل»،
ولاية سوسة على الساحل التونسي

1981
واكب الحركات الطلابيّة
والصدامات مع قوات الشرطة
في «الاتحاد العام لطلبة تونس»

1991
حصل على شهادة الماجستير في التاريخ

1997
أصدر أول مؤلَّف بالاشتراك
مع المؤرخ عميرة علية الصغير بعنوان «المقاومة المسلحة في تونس. جزء أول (1881 ـــــ 1936)»

2010
أصدر كتابه الثالث «الدرّ ومعدنه،
دراسة في الخلافات الدستورية النقابية في تونس».