عمان - قبل لحظات من اغتيال ممثل منظمة التحرير الفلسطينيّة في بروكسل نعيم خضر، كانت زوجته برناديت تتحدّث على الهاتف مع زوجة مدير مكتب الجامعة العربية معتز العظم. تروي برناديت القصة كأنها تحدث الآن. تصف عريها بعد الاستحمام، وشعرها المبتلّ. تسأل صديقتها عن صوت إطلاق الرصاص الذي سمعته: «هل أطلقوا الرصاص على معتز؟»، ثم تنظر من النافذة لترى رجلاً طريحاً على الرصيف يرتدي معطف زوجها وقربه بركة دم.


بعد 29 عاماً، تعود برناديت، من خلال ممثلة بلجيكيّة، لتروي قصة اغتيال زوجها في مسرحيّة بلجيكيّة بعنوان «للذكرى»، انطلقت من «مسرح البلد» في عمّان، وحطّت رحالها في «مسرح بيروت» بعد «المعهد العالي للفنون المسرحيّة» في دمشق. على الخشبة أيضاً ممثلة تجسّد ماري كلود (الصورة) أرملة محمود الهمشري ممثل المنظمة في باريس، وثالثة تنقل شهادة الكاتبة والسفيرة ليلى شهيد عن عزّ الدين قلق الذي عيّن في منصب الهمشري بعد اغتياله ليلاقي المصير نفسه.
تستعيد مسرحيّة «للذكرى» فصلاً قاتماً في ذاكرتنا، حين اغتالت إسرائيل شخصيات فلسطينية بارزة في أوروبا السبعينيات والثمانينيات، إضافة إلى ما ارتكبته بعض الفصائل الفلسطينيّة (عزّ الدين قلق سقط برصاص طالب فلسطيني من أتباع أبو نضال، في بلجيكا). ولعلّ أهمية هذا العمل الذي تقدّمه فرقة «دو باراد» De Parade، تكمن في كونه رحلة بحث في البقاع المظلمة للتاريخ الفلسطيني المباشر، من وجهة نظر فنانين أوروبيين، يعوّضون العدالة المفقودة من طريق المشاهدة.
العرض الذي تؤدّيه إينا جيرتز، وهيلدي ويلز وكارولين روتييه، أنتج ضمن تظاهرة «مسارات فلسطين» قبل عامين على خشبة «لي هال دو شاربيك» في العاصمة البلجيكيّة. وأخرجه رودي مولمانز عن نصّ من تأليفه، يستوحي شهادات زوجات المناضلين الثلاثة أو مقربيهم. ولا شك في أن استعادة المادة التوثيقيّة في قالب مشهدي متخيّل، تعطي الحقيقة التاريخيّة بعداً إنسانيّاً عاماً. والمسرحيّة التي تتوجّه أصلاً إلى الجمهور الأوروبي، ناقلة الصورة الأخرى عن الشعب الفلسطيني وقضيته، تخاطب أيضاً وعي المتلقّي العربي الآن وهنا، وسط راهن مأزوم ازداد تراجعاً ومأسويّة خلال العقود الماضية التي تفصلنا عن زمن الحكاية.