في ذروة صعود الحركة العمالية في مصر وعقب انتفاضة المحلّة في نيسان (أبريل) 2008، جاء مصطفى سعيد إلى القاهرة منسقاً لـ «مشروع تعزيز الحقوق والحريات النقابية والحوار الاجتماعي» الذي تشرف عليه منظمة العمل الدولية. كان الرجل على موعد مع القدر الذي اختاره لنفسه دوماً. ابن الأسرة العمالية الذي كان أبوه أحد مؤسسي نقابة عمّال الأفران في بيروت، وأمّه عاملة في مصنع للنسيج، تفتّح وعيه وانحيازه باكراً. النشأة العمالية أضيفت إليها خبرة أكسبته مهارات متعددة. درس علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية وعمل خمس سنوات في سلك التعليم. ثم تطوّع في «الحركة الاجتماعية» التي أسّسها الأب غريغوار حدّاد. التحق بعدها بـ«الاتحاد الدولي للعاملين في البناء والأخشاب»، ثم منظمة العمل الدولية.
عبر هذا المسار، كوّن سعيد قناعات راسخة «قناعتي أول ما دفعني إلى العمل النقابي. أنا ابن عائلة نقابية، وما اقتنعت به دوماً أنّه لا سبيل لإحداث تغيير حقيقي في المجتمعات العربية إلا بدور أكثر فاعلية للطبقة العاملة. ولا يمكن تصور ديموقراطية حقيقية في غياب تنظيمات مستقلة ومتماسكة وجماهيرية للطبقة العاملة. إنّها مركز الثقل الحقيقي في المجتمع».
بهذا الوعي، ما كان لمصطفى سعيد أن يؤدّي الدور التقليدي للموظف الدولي البيروقراطي الذي ينتشر في المؤسسات الدولية. منذ اللحظة الأولى لعمله، شرع في متابعة الحركة العمالية في مصر. بذل جهداً ملحوظاً في التعرف إلى أوضاع ومشاكل أطراف العمل في مصر حتى لم يبقَ سوى لهجته اللبنانية التي تكشف أنّه موظف في «منظمة العمل الدولية». حين كان يناقش إحدى قضايا علاقات العمل، كان الجميع يفاجَأ باستحالة خداعه لأنه ملمّ بمختلف التفاصيل. ليس هذا فقط، بل كان مصراً أيضاً على عدم الوقوع في فخاخ البيروقراطية. عندما يتحدث عن المشروع الذي كان منسقه، يقول «الهدف العريض من المشروع كما هو معلن مساعدة شركاء عملية الإنتاج الثلاثة. وهو ما يتضمن دعم تطور الحركة العمالية لتكوّن نقاباتها المستقلة. هذا ما حاولته انطلاقاً من واجبي كمنسق للمشروع وقناعتي في آن واحد».
هذا النمط من التفكير والعمل ما كان ليعجب الأطراف كلها. التنظيم النقابي الرسمي (اتحاد العمال) يريد أن يواصل احتكاره لتمثيل العمال الذين لم يختاروه. والحكومة المصرية ممثلةً بوزارة القوى العاملة لا تريد من يذكّرها دوماً بمعايير العمل الدولية، وخصوصاً الحريات النقابية. ورجال الأعمال لا يفضلون طبعاً حركة عمالية منظَّمة في نقابات ترفع مطالب بالأجور وساعات العمل. هذا بعض ما واجهه الرجل في مهمته التي بدت مستحيلة. «الحركة العمالية في مصر الآن تمرّ في مرحلة دقيقة، سواء على المستوى العمالي أو على المستوى السياسي العام. من ناحية، يبدو التنظيم النقابي الرسمي فارغاً والرهان عليه خاسراً، والحركة العمالية ما زالت أسيرة رغم أن الطبقة العاملة المصرية هي الأكثر تبلوراً في المنطقة العربية. هناك أفراد نشطون ومخلصون للنهوض بواقع الطبقة العاملة. لكن الجموع الأكبر من العمال ما زالوا مستلبين. التطور يجري ببطء لكن بثبات».
هذه الطريقة في التفكير والعمل جعلته أشهر موظفي منظمة العمل الدولية في مصر. المقر المجهول القابع في أحد أرقى أحياء القاهرة، تحوّل فجأةً إلى مزار تؤمّه مجموعات من العمال التي أعياها رفع مطالبها، لتتقدم بشكاوى إلى المنظمة بعدما ظهرت أنشطة المشروع الذي أداره مصطفى سعيد. كان يعرف جيداً أنّ اختياره لن يكون مجانياً وأنه سيتحتّم عليه تحمل المسؤولية. فما تتحمله الحكومات هو موظف هادئ يتلقّى المعلومات والبيانات التي تقدّم إليه، ويستعين بها في كتابة تقاريره... ولا مانع من بعض الأنشطة في قاعات الفنادق، والتقاط بعض الصور مع الإشادة بالتعاون المتبادل بين أطراف العمل الثلاثة والمنظّمة. لكنّ مصطفى سعيد لم يقبل مهمة مماثلة في ظل صعود نضال العمال وتأسيسهم لأول نقابة عمالية. خلال فترة عمله من نيسان (أبريل) 2008 حتى تشرين الأول (أكتوبر) 2010، أدّى سعيد الدور الذي عدّه في صلب مهمته وقناعاته وساند قيام النقابة المستقلة للضرائب العقارية. وأكد حق العمال في تأسيس نقاباتهم المستقلة وفقاً لاتفاقية العمل 87 لعام 1947 التي وقّعتها الحكومة المصرية. النتيجة كانت مقررة سلفاً، وقد أصبح شخصاً غير مرغوب فيه من جانب الحكومة المصرية. هذا بحسب الخطاب الذي أرسلته الحكومة إلى منظمة العمل الدولية، الذي بررت فيه موقفها من مصطفى سعيد بأنه يتصل بجهات غير رسمية، ويملك أجندة خاصة به ويحرّض العمال على الاحتجاج!
في شارع طه حسين في حي الزمالك في قلب القاهرة، مر كثيرون على مقر منظمة العمل الدولية. بعضهم نسيهم الجميع ومعظمهم لم يعرفهم أحد أصلاً. لكن قلة قليلة منهم عرفتهم الحركة العمالية في مصر بقدر ما عرفوها، وتذكّرتهم بقدر ما فهموها واقتربوا منها. من هؤلاء مصطفى سعيد، الذي ترك أثراً لا تمحوه الإجراءات الرسمية. أما هو، فلا يبدو إلّا أكثر إصراراً على ما بدأ به «لو كتبت لي العودة، فسأقوم بما قمت به. إنّها خيارات في الحياة وليست مجرد وظيفة. يكفيني أنّ من تعاملت معهم، يقدّرون ما قمت به. ولا يعنيني كتابات الشكر أو الإدانة من الحكومات. قد يكون مفيداً أن تكون الفترة أطول لكن ليس على حساب المبدأ».



5 تواريخ

1964
الولادة في بيروت

1987
تخرج في الجامعة اللبنانية ـــ قسم علم الاجتماع

1999
عمل في الاتحاد الدولي لعمال البناء والأخشاب

2008
عُيِن في نيسان (أبريل) منسقاً لـ «مشروع تعزيز الحقوق والحريات النقابية والحوار الاجتماعي» الذي تشرف عليه منظمة العمل الدولية

2010
غادر أخيراً القاهرة بطلب الحكومة المصرية بسبب دعمه النقابات المستقلة