لا يزال «ديوان الشعر العربي» الذي اختاره أدونيس طازجاً وقابلاً للقراءة في أيّ وقت، ويمكن أن نهديه إلى القارئ هذا العام، كما كان هدية فاخرة لأعوام سبقت وأعوام ستأتي. لقد نزّه «مهيار الدمشقي» ذائقته المتطلّبة في مئات المصادر والدواوين، وعاد إلينا بمختارات فذّة، تحدّت الزمن وحقّقت شروط الشعر العظيم. قد يكون الشعر هدية صعبة، وخصوصاً إذا كان قديماً، لكنّ تصفّح المجلدات الأربعة التي أصدرت «دار الساقي» أخيراً طبعتها الخامسة، يمكن أن يعطي قراءة الشعر نكهة مختلفة. ستُبطئ الأبيات المنتقاة قراءتك المعتادة، وستجد صعوبة في الانتقال من شاعر إلى آخر، أو تبديل متعتك حيال أبيات بعينها بمتعة أخرى تتحصّل من أبيات لاحقة.


ستعرف أنّ أدونيس جمع محتويات الديوان وفق معيار شخصي، لكنك ستدرك أنّ أيّ محاولة جديدة لجمع ديوان مماثل، لن يستطيع صاحبها أن يُسقط بيتاً واحداً ممّا جمعه أدونيس، وقدّم فيه وعياً استثنائياً بالشعرية العربية منذ الجاهلية حتى عشرينيات القرن الماضي. لم يُهمل صاحب «الثابت والمتحول» الظروف الاجتماعية والتاريخية التي ولدت فيها التجارب المنتقاة، لكنه ركّز أكثر على امتلاك الشاعر لـ«صوت خاص»، متتبّعاً «الخيط الذي يصلنا بالفرد لا بالمجتمع، بالإبداع لا بالتاريخ، بالشعر لا بموضوع الشعر».
هكذا، خلخل أدونيس التراتبيات الموروثة بين من اتّفق على أنّهم شعراء الصف الأول وبين شعراء الصفوف الأخرى. أعاد تثمين الهامشي، المنطلق من تجربة شخصية والمستند إلى مخيلة موهوبة تترجم العوالم الداخلية والنفسية. أهمل شعر المدح والهجاء والفخر، لمصلحة شعرٍ «لا يخدم مذهباً ولا عقيدة ولا دولة ولا شخصاً». شعر «يحقّق الوحدة، كأيّ شعر عظيم، بين العابر التاريخي والأبدي الإنساني». شعر يمكن القول بأنّه «مجدنا الشعري». لكي لا تذهب إلى الماضي من دون تذكرة العودة، فإن أدونيس لم ينسَ ضرورة ربط هذا «المتحف التراثي»، بالحداثة الشعرية العربية، من خلال مطاردة «القيمة الفنية الخالصة التي تتجاوز الزمان والمكان، وتتخطى الاعتبارات التاريخية والاجتماعية». بهذا المعنى، ستكتشف أن أدونيس موجود بقوة في مختاراته، بل إنه فكر فيك وفي ذائقتك أيضاً وهو يجمع هذه المختارات لتكون نوعاً من الاحتياطي الشعري للحداثة الشعرية العربية التي كان هو أحد صانعيها الأساسيين في خمسينيات القرن الماضي.
لن تنسى هنا أنّ «الديوان» كان أشبه بردّ غير مباشر على مصطلح «القطيعة»، الذي راج بطريقة ببّغائية أحياناً في تلك الحقبة. أدونيس هو ابن ذاك الماضي الموصول بالحاضر الذي تفتّت إلى نبرات وأساليب متعددة. ربما تميل اليوم إلى شعرٍ من نوع آخر، لكن سيصعب عليك تجاهل الأسئلة الخصبة والمقلقة التي طرحها هذا الشاعر على تراثنا وحداثتنا. إنها فرصتك، عزيزي القارئ، لحكّ ذائقتك بمئات الأبيات الفاتنة، وشحنها مجدداً بالطاقة الخلّاقة لشعرٍ استحق الخلود.