هذه القصّة فريدة من نوعها... كان يا ما كان مراهق لم يكبر، صار فناناً مثل أمّه لور التي كان يراقبها بشغف. فنان يثير الجلبة أينما حلّ. ذات يوم اقتحم صفحات «ثقافة وناس» وراح يعيث بها فساداً: لم يرسم وجهاً متناغماً. لم يترك محظوراً من شرّه. كان في الليل ينشّز على الترومبيت، مع شريف ورائد وشربل وغيرهم من جماعة «الموسيقى الحرّة المرتجلة»، وفي النهار يطلق العنان لريشته العابثة. كثيرون قالوا إنّ هذا الرجل لا يعرف كيف يرسم. عندما شاهدوا أعماله القديمة، تغيّر السؤال: ما باله إذاً يشوّه كل شيء؟ ما هكذا يكون الكاريكاتور، فكّر مخضرمون عالقون في السبعينيّات التي لا نذكر منها اليوم إلا بضعة معلّمين أفلتوا من ركام الوعظ والتضخيم والتنميق والقفشات السهلة.


مازن ينتمي إلى جيل آخر لا يمكنه أن يرى العالم إلا خراباً، هو الذي كبر في الحرب الأهليّة، وانخرط في مشروع سبر جراحها المفتوحة. ومازن من جيل لا يحتمل الوعظ، أو الدعابات النمطيّة، الخطيّة، البديهيّة. ضاعت لديه الحدود بين الرسم والكولاج، الكاريكاتور والكوميكس والكرتون والشرائط المصوّرة. بين السخرية والسورياليّة والشعريّة. ومن هذه الزاوية يمكن عدّه فناناً سياسياً بامتياز، ننصح بمنعه من النشر، وربّما بسجنه إذا لزم الأمر، بتهمة الاساءة إلى الطمأنينة العامة، وتخريب الذوق السائد.
عندما «فركها» جوزف سماحة، تخيّله مع صديقه سمير قصير، يشرب نخبه في «الآخرة». قلّة وصلتهم الرسالة. ذات يوم رسم شخصاً يتلصص علينا من خلف ملصق سمير الشهير بالأحمر والأسود، وقد ثُقِبَ عند العينين (عينا سمير قصير)، وخلفه سماء ماغريتيّة (sky). اتصل به أحد مسؤولي «سكايز» مهنئاً وشاكراً. هنا أيضاً لم تصل الرسالة التي يمكن اختصارها كالآتي: سمير يرجوكم أن تكفّوا عن المتاجرة به. والصحافي القتيل يمتلك مكانة خاصة في وجدان مازن، منذ زجره مراهقاً، ونهاه عن حبّ بشير الجميّل! بأيّة حال، فإن سوء التفاهم يحكم علاقة هذا الفنان بمعاصريه: هكذا لامته قارئة حين رسم مايكل جاكسون بعيد موته، في الظلام الدامس، يسأل عن الأولاد. وعتب قارئ آخر عندما «اتهم» الطفل الفلسطيني بالإرهاب. ذلك أن مازن كرباج يذهب إلى الوحل، ويُخرِج الأفكار المسمومة إلى الضوء كي ينكأها بريشته.
وكان أن احتل كرباج الابن الصفحة الأخيرة من «الأخبار». في الحقيقة لم نعد نذكر كيف حدث ذلك. كل ما نذكره أننا ـــــ رغم طموحاتنا الطليعية والتغييريّة ـــــ لم نكن مهيئين نفسياً له. خيّم الرعب المكتوم على مسؤولي التحرير، من أن يأخذنا الولد «في داهية». ثم مرّت الأيّام، ونسج القرّاء علاقات وطيدة مع شخصيات «هذه القصّة تجري...». إنها قصّة تروى حقاً، غيّرت تقاليد التعاطي مع القصص المصوّرة في الصحافة اليوميّة. قصّة داخل القصّة التي تجري (أو لا تجري) في رأس فنان كلاسيكي ـــــ معاصر. جمعها مازن أخيراً في ألبوم صدر عن «دار الآداب». ماذا تنتظرون لشرائه؟