مئويّة ليو تولستوي وكنوز الواقعيّة والتعبيريّة


يزن الأشقر
قد تكون العودة الى أيام السينما الأولى نوعاً من النوستالجيا. لكنّها أيضاً فرصة للعودة إلى ينابيع الفنّ السابع، لتتبع المراحل التي بنيت على أسسها السينما الحديثة من تقنيات وجماليات بصرية تطورت مع الزمن والتقدم التكنولوجي، إنّها أيضاً فرصة لفحص الأثر الذي أسهم في تحول السينما من متعة نخبوية الى صناعة عالمية موجهة إلى الجماهير، تختزل الفن والسياسة وتحفظ عصرها وتوثّقه.
في هذا السياق، يندرج رهان جمعية «متروبوليس» التي تواصل عرض كنوز من السينما الصامتة، أحياناً بمرافقة بعض ألمع الموسيقيين الشباب في لبنان وأكثرهم جرأة وتجريباً. هذه المرّة تتعاون «متروبوليس أمبير صوفيل» مع معهد «غوته» و«المركز الثقافي الروسي» في بيروت، للاحتفاء بالسينما الألمانية والروسية المبكرة تحت عنوان عريض هو «صور ثورية». على البرنامج أسماء كبرى وأفلام مهمة: بين سيرغي آيزنشتاين وفريدريك مورنو الى الأميركي كلارينس براون. تقدّم التظاهرة ابتداءً من الخميس، تسعة أفلام يعود إنتاجها الى العشرينيات والثلاثينيات، وأخرى تأتي ضمن الاحتفال بمئوية الكاتب الروسي ليو تولستوي (1828 ــــ 1910التظاهرة المشتركة بحسب المنظمين نوع من الاحتفاء بتلك الفترة التي شهدت تعاوناً سينمائياً بين روسيا وألمانيا. بين الثورات السياسية والأزمات المالية في أوروبا وأميركا، تعاون السينمائيون في ما بينهم، ومع الاستوديوهات، لتقديم أفلام مشتركة الإنتاج، وحتى بإنشاء استوديو Meshrabpom الذي كانت برلين مقرّه الرئيسي، وبمرافق إنتاجية في موسكو. هكذا، أنتج أكثر من 500 شريط حققت نجاحاً تجارياً، وأسهم في توزيعها أوروبياً وعالمياً. على برنامج تظاهرة «متروبوليس»، خمسة أفلام روسية، وفيلمان ألمانيان، وشريط من إنتاج روسي ألماني مشترك، وفيلم أميركي.
أهم الأعمال المعروضة شريط الافتتاح الصامت «البارجة بوتمكين» (1925 ــــ 9 /12، س 8:00) من إخراج المعلم الروسي/ السوفياتي الكبير سيرغي آيزنشتاين بنسخة 35 ملم رُمِّمت عام 2004. الفيلم الذي يحمل خطاباً ثوريّاً يعبّر عن أفكار الثورة البولشيفيّة، أحدث ثورة في تاريخ السينما عبر مفاهيم آيزنشتاين الثورية في المونتاج، ويعدّ أهم أفلام البروباغندا السياسيّة على الإطلاق. يتألّف من خمسة أجزاء تبدأ بحادثة تمرد البحّارة في بارجة «بوتمكين» على ضباط القيصر الروسي عام 1905. وسيترافق العرض البيروتي مع عزف حيّ على البيانو للمؤلفة اللبنانية جويل خوري.
وفي اليوم التالي (10 /12، س 7:00)، يعرض فيلم السوفياتي فيدور أوزيب «الجثة الحية» (إنتاج روسي ـــ ألماني مشترك، 1929) المقتبس عن نص مسرحي لتولستوي، يليه الفيلم الألماني «رحلة الأم كراوس الى السعادة» (1929 ــــ س 9:30) لفيل جوتزي.
المرافقة الموسيقية الحية الثانية تأتي مع فيلم صامت يحتل أهميّة خاصة في تاريخ الفن السابع، هو «الرجل الأخير» (1924 ــــ 11 /12، س 7:00) لفريدريك مورنو، أحد أبرز وجوه التعبيرية الألمانية في السينما. الفيلم الذي يحكي قصة بواب في فندق شهير يعاني الإذلال الى أن يتغير قدره، أحدث ثورة في استخدام الكاميرا المتحركة، يُعدّ من أجمل ما أنتج في الحقبة الذهبية للسينما الألمانية الصامتة. المرافقة الموسيقية للعرض البيروتي يتولاها فنان الساوندسكيب الأميركي مايك كوبر.


الطابع الثوري يجمع بين التقنيّات السينمائيّة والاكتشافات الجماليّة والأفكار السياسيّة
من البرنامج، يعرض أيضاً الفيلم الروسي الكوميدي «بائعة السجائر من موسيلبروم» (1924 ــــ 11/12، س 9:30) ليوري زلابوشكي، و«ثورة الصيادين» (1934 ــــ 12/ 12، س 7:00)، وهو الفيلم الوحيد للمسرحي الألماني الشهير إيرون بيسكاتور الذي اكتُشفت نسخته في الستينيات بعد ضياعها. ويعرض أيضاً فيلم «الفارّ» (1933 ــــ 12/12، س 9:30) للسوفياتي بودوفكين الذي كان، إلى جانب آيزنشتاين، أحد الذين أحدثوا ثورة في فنّ المونتاج.
وفي تظاهرة مئوية وفاة تولستوي، يعرض في اليوم الأخير الفيلم الروسي «بوليكوشكا» (1922 ــــ 13/12، س 7:00) عن قصة لتولستوي، والفيلم الأميركي الشهير «آنّا كارنينا» (1935 ــــ س 9:30) الذي يعدّ أفضل اقتباس لرواية تولستوي، وهو من إخراج كلارينس براون وبطولة الممثلة السويدية الشهيرة غريتا غاربو. ما الذي يجمع هذه «الصور الثورية»؟ إنّها تقدم نظرة نقدية وجمالية لعالم السينما المبكرة في روسيا وألمانيا. وهي محاولة لإحياء هذا الجهد المشترك لهذين البلدين اللذين فتحا آفاقاً ومفاهيم سينمائية وثورة ما زالت آثارها ممتدة في السينما المعاصرة اليوم. إذاً، بين السياقات المختلفة للفيلم يتعامل الطابع الثوري هنا مع التكنولوجيا والتقنيات السينمائية التي استخدمت في تلك الفترة ومع سياق الأحداث والصراعات السياسية المهمة. من الواقعية الاشتراكية والنظرة الماركسية في سينما آيزنشتاين، والتحليل السياسي الاشتراكي لزملائه المخرجين الألمان والروس، والبحث السيكولوجي لمورنو، وصولاً الى واقعية تولستوي، يقدم البرنامج فرصة ثمينة أمام الجمهور لإعادة اكتشاف هذه الأفلام في نسخ مستعادة ومحدثة.


9 ــــ 13 كانون الأول (ديسمبر) ــــ «متروبوليس أمبير صوفيل» (الأشرفية/ بيروت): للاستعلام: 01/204080