لطيفة أحرار في دائرة الطباشير المغربية



الضجّة الفارغة المثارة بشأن «كفرناعوم ــ أتو صراط»، حوّلت الاهتمام عن رؤيته الفنيّة. عودة إلى العمل الذي يجمع بين شاعر وممثلة، شارك في «مهرجان المسرح الأردني الدولي» أخيراً، ويعرض الليلة في الزرقاء

سعد سرحان*
جسر أسود بين كتلتين ناصعتين. جسر ينثني أو يتداعى أو ينثني. لكنه في كل مرة يستعيد أوده. جسد يحشرج أو يهذي. لكأنه يسدد للحضور ما فاته من احتضار قبل أن يهب واقفاً وقفة جسد واحد، فإذا هو وسط الخشبة، حيث القيامة على بعد كتاب. لم يكن الجسد أعزل: كان ثمة الضوء، الصوت، الموسيقى، الملابس، الغناء، الشعر... وثمة نحن: مئة مشاهد وأكثر فوق الخشبة، وليس في الصالة كما يفترض. كنا الجمهور، وجزءاً مهماً من الديكور.
كنا جمعاً من المعزين، انتظرنا إكرام الميت فإذا بنا نعزي أنفسنا على خشبة «البرزخ».
هكذا ابتدأ العرض: جسد مخلوع يتوق إلى عرشه، وروح زهق منها الجسد فجاءت تلتمسه بما ملكت من أنفاس. جسد يتسوّل روحه، وروح تتوّسل جسدها. وعلى امتداد العرض يتبادلان الإهاب من اللباس إلى الكفن إلى اللباس... هكذا انتهى العرض: ارتدت الروح جسدها، وخرجا معاً من قاعة العرض إلى حيث تنتظرهما الحياة.
العرض هو «كفرناعوم ـــــ أوتو صراط» للممثلة لطيفة أحرار. بعدما اشتغلت الفنانة ثريا جبران على «الشمس تحتضر» للشاعر عبد اللطيف اللعبي، ها هي لطيفة أحرار تتجرأ على ديوان «رصيف القيامة» للشاعر ياسين عدنان فتخرجه عرضاً مونودرامياً، لعله الأول من طرازه في المغرب، والعالم العربي أيضاً.
جرأة لطيفة أحرار كانت مركَّبة. فمن جهة، اشتغلت على ديوان شعر في وقت بات الشعر فيه سقط المتاع في الثقافة المغربية. ومن جهة أخرى، أدخلت الجمهور إلى الكواليس، فاحتل خشبة المسرح أمام دهشة قاعة العرض بكراسيها الفارغة. وبذلك يسقط الجدار الرابع، عملاً بالأمثولة البريختيّة.
في أحد المشاهد، تخرج الشخصية من الثياب إلى الكفن، فتبدو عارية إلا من ملابسها الداخلية. وفي ذلك قدر لا بأس به من رفع الكلفة مع الحضور الذي افترضته حميماً. لم يكن من الصعب على لطيفة أحرار أن تلجأ إلى مؤثرات تقنيّة لتغليف هذا المشهد، كان يكفي أن يلف الخشبة بعض الظلام. لكنّها لم تفعل لضرورة مسرحية وجماليّة وفكريّة. هكذا وجدت الممثلة نفسها في دائرة الطباشير المغربية.
فالنقد الذي أثارته الصور المأخوذة من المشهد المذكور، غطّى على العرض باجتهاداته وجدته، ولم يبق منه في الأذهان الضيّقة، سوى تلك الومضات التعبيريّة المبرّرة في سياقها. بل إن هنالك من وصفها بـ«مشهد تعرّ» («ستريبتيز»). بمثل هذا القدر من الضحالة، لو قيّض لنازك الملائكة أن تظهر بيننا لكان السلف قد أحالها على أقرب مستشفى بتهمة الكوليرا!
لقد أهرق الكثير من الحبر على عتبة «كفر ناعوم» من دون الدخول إليه. ليس بسبب المشهد المذكور، وليس بسبب الصورة التي نشرتها إحدى الصحف المغربيّة على صفحتها الأولى، فالجريدة ذاتها تنشر في صفحتها الأخيرة صوراً لممثلات فاتنات من بلاد الفرنجة... ليس بسبب هذا ولا ذاك، بل بسبب الغيرة على «الشرف المغربي».
ولست أدري لما لا يسلّط سيف الدين والأخلاق إلا على الأدب والفن باعتبارهما حائطين قصيرين، فيما لا يفعل حين يتعلق الأمر بالحيطان العالية والمسلحة بشظايا الزجاج. ما الفرق بين عري ممثّلة وعري رياضية؟ وما الفرق بين عري ممثّلة وعري ممثّل؟ هل جسد الأولى من لحم وجسد الثاني من يقطين؟
إلى ذلك المسرح المغربي الذي يقتل بالضحك، أضيف مسرح آخر يقتل بالجمال. ولعلَّ «كفرناعوم» ينتمي إلى هذا الأخير. فالسينوغرافيا والملابس والكوريغرافيا والإنارة... بدأت تحضر في مسرح الجمال، لا كعلامات تنقيط باهتة، بل كأقوى لحظات العروض.
* شاعر مغربي



7:00 مساء اليوم على مسرح «مركز الملك عبد الله» (مدينة الزرقاء/ الأردن).