صاحب «حديث الروح» ينبعث في ندوة بيروتيّة



«جسدي زهرة في حديقة كشمير، وقلبي في حرم الحجاز، وأنشودتي من شيراز»... هكذا عاش الشاعر والفيلسوف الهندي الذي حلم بأمة إسلامية موحّدة في مواجهة الغرب الاستعماري. «المعهد الألماني للأبحاث الشرقية» يستعيد مسيرته ويعيد طرح أسئلته الراهنة بمشاركة ضيوف بارزين بينهم المفكر المصري حسن حنفي

محمد خير
ربما كان بيت الشعر الأشهر لمحمد إقبال (1877 ــ 1938) هو «ومن رضي الحياةَ بغير دين/ فقد جعل الفناءَ لها قرينا». لكن معظم من يحفظون هذا البيت، لا يعرفون أن الشاعر والفيلسوف الإسلامي نفسه هو الذي وصف كارل ماركس بأن «قلبه مؤمن وعقله مرتاب». ولا غرابة، فإقبال ابن الحضارة الهندية، طالما رأى العالم والوجود وحدة واحدة، مسترشداً بابن عربي وجلال الدين الرومي، وإن لم يمنعه تأثره بالصوفيين الكبار من انتقاد الصوفيين في انعزالهم عن المجتمع. في شعره ونثره ومؤلفاته الفلسفية والسياسية، سعى للإجابة عن الأسئلة المطروحة على العالم الإسلامي في الفترة التي عاشها.
الفيلسوف يحتل واجهة الأحداث اليوم في بيروت، عبر ندوة خصّه بها «المعهد الألماني للأبحاث الشرقية» في «قصر الأونيسكو»، تحت عنوان «الإسلام المعاصر في فكر محمد إقبال» وبمشاركة الباحث الإسلامي المعروف حسن حنفي وهشام نشابه ومحمد السماك. إقبال مدّ حبال البحث والأسئلة من الهند إلى أوروبا مروراً بالعالم العربي الذي استحوذ على اهتمامه. الكثير ممن يحفظون أبياته التي غنت بعضها أم كلثوم، لا يعرفون أنّ الفيلسوف الذي أتقن العربية لم يكتب بيتاً واحداً بلغة الضاد، بما فيه قصيدته الكلثومية «حديث الروح». هذه القصيدة التي لحنها السنباطي وحفظ الجمهور كلماتها «حديث الروح للأرواح يسري/ وتدركه القلوب بلا عناء»، صدرت باللغة الأوردية في ديوان «بانك برا» أو بالعربية «صلصلة الجرس». ومَن نقلها إلى لغة الضاد هو الشيخ الأزهري شعلان الصاوي. كان ذاك زمناً لا تزال الترجمة فيه هي «التعريب»، والتعريب لم يكن نقل المعاني إلى اللغة العربية فقط، بل نظمها في الأشكال التي اعتادها القارئ العربي.
هكذا انتقلت أشعار إقبال إلى العربية منظومة عمودياً، على يد مترجمين أهمهم عبد الوهاب عزام وحسين مجيب. وليس غريباً أن يكون بين أبرز المتأثرين بإقبال المنفلوطي والرافعي وأحمد أمين. كتّاب جمعهم البحث عن سبل بعث نهضة العالم الإسلامي الواقع تحت الاحتلال والاستغلال. ومن العجب أنّ وضع العالم الإسلامي لم يتغير لاحقاً، وإن توقف البحث أو كاد عن وسائل نهضة تستلهم تراث هذه المنطقة وحضاراتها. صودرت تلك الوسائل، وكادت تختصر الى الخيارات السلفية. من المهم هنا ذكر أنّ إقبال كان معجباً بالدولة التركية الأتاتوركية. لم تبتعد تساؤلاته آنذاك عما نعرفه اليوم «بالنموذج التركي». إذ يصف تركيا بأنها «استيقظت من الرقاد الفكري. وهي وحدها التي نادت بحقها في الحرية العقلية»، وكان أن جلب ذلك الكلام سخط الإسلاميين على إقبال، وهو متواصل حتى اليوم! ولا بد هنا من أن نتذكّر، أنّ تلك الصورة الذهنية التي تجمع بين الشاعر والفيلسوف والمفكر معاً، كانت الصورة السائدة عن المثقف في عصر إقبال. بل إن اللقطة الفوتوغرافية الأشهر لإقبال، حيث يجلس شارداً وقد أراح جبهته على قبضته المضمومة، تكاد تطابق الصورة الفوتوغرافية الأشهر لأمير الشعراء أحمد شوقي الذي ولد قبل إقبال بعشر سنوات وتوفي قبله بأربعة أعوام. لم يكن شوقي مفكراً على أي حال سوى بالقصيدة، في زمن رأى أن الشعر بيت الحكمة. أما إقبال فيصعب فصل قيمته الشعرية عن تلك الفكرية. ولئن سادت، في بدايات القرن العشرين، الدعوة إلى نهضة فكرية علمية ترتدي الثوب الإسلامي، فإقبال خاطر بأن منح أفكاره النهضوية بعداً سياسياً دفعه إلى مواقف قد لا تبدو اليوم «صحيحة»، منها دعوته ــــ هو ذو الأصول البرهمية الكشميرية ـــ إلى انفصال المسلمين عن الهندوس. وجدت دعوته تلك صداها، لاحقاً، بتأسيس باكستان. ويصعب القول إنّ تلك الدولة تعبّر عما أراده إقبال.


ابن الحضارة الهندية طالما رأى العالم والوجود وحدةً واحدةً

بل إنّ الفيلسوف الذي آمن بالقدرة الإنسانية، التقى موسوليني في أوروبا. لم يكن لقاؤه بزعيم الفاشية مطلع الثلاثينيات سوى سوء فهم نتج من اهتمام إقبال بأفكار نيتشه عن الإنسان الكامل. وهي أفكار استنكرها لاحقاً بعض المتأثرين بإقبال نفسه، ومن أهمهم سيد قطب الذي انتقد محاولات إقبال التوليف بين لغة المناهج العلمية الغربية والعقيدة الإسلامية، مثل محاولته توسيع مفهوم «التجربة» ليشمل التجربة الروحية التي تصل بالمجرب إلى «الحقيقة الكبرى». كانت تلك من المحاولات التي جمعت غضب العلميين والروحانيين معاً. لكن تلك الأفكار يمكن العثور عليها في الكثير من مؤلفات إقبال ومحاولاته لاستعارة المناهج الوضعية لتطوير مقولاته. يتضح ذلك في ربطه بين الحديث النبوي «لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر»، وبين الأفكار العلمية حول الزمن الكلي والنسبي.
ينقل علي حسون في كتابه «فلسفة إقبال» قول الأخير «الزمان مركب، ليس الماضي فيه متخلفاً، لكنه متحرك مع الحاضر، ويؤثر فيه، والمستقبل يتصل بهذا الكل المركب (...) هو ماهية الأشياء ذاتها». وجد إقبال في الحديث النبوي وقراءاته العلمية حول الزمن ما يخدم هواه الصوفي المتمحور حول وحدة الوجود، وكينونة الموجودات بما هي تجسدات متنوعة للذات الإلهية العليا. وهي توليفة وجدت تقديراً واهتماماً كبيرين إلى الآن، حتى وإن ضاقت دائرة المهتمين بالأفكار عموماً، وليس فقط بمحمد إقبال!


ندوة «الإسلام المعاصر في فكر محمد إقبال»: الرابعة من بعد ظهر اليوم ـــــ «قصر الأونيسكو» (بيروت). للاستعلام: 01/359181