السهرات أشبه بأمسيات ريفية منها إلى مهرجان فني وثقافي. وإليها تدعو «فرقة كهربا» (بالتعاون مع Tarte aux Poires) الناس لحضور «نحنا والقمر والجيران» على درج «الفاندوم» (مار مخايل ــ بيروت)، نازعة الهالة عن الأعمال الفنية عبر إنزالها إلى الشارع وجعلها في متناول جمهور جديد قلما يحتك بفنون الفرجة. مساء اليوم، يفتتح المهرجان دورته الرابعة التي تزيد «نحنا والقمر والجيران» قرباً من الناس وهواجسهم مع الوقت.


«درج الفاندوم»، مكان العروض لا يزال هو نفسه، إلا أن الأعمال الـ 22 المشاركة، إلى جانب قيمتها الفنية، لا تنفصل عن الشارع اللبناني وقضاياه. بين الفنون الأدائية والحكواتي والمسرح والموسيقى والرقص والفنون البصرية والتجهيزية، تغلب المعالجات الإنسانية على العروض التي تستمر حتى 30 آب (أغسطس). البرمجة تعكس اهتمامات الفرقة وتكرس المهرجان منصة حقيقية للناس. بحسب أورليان زوقي، أحد مؤسسي «كهربا»، فإن المهرجان «يشبه البلد لناحية المشاكل والمكان، وطريقة تقديم الأعمال بشكل مجاني للناس». ما تحرص «كهربا» عليه أيضاً، هو جمع فنانين مكرسين وآخرين هواة، وتأمين لقاءات ثقافية (راجع الكادر)، وأخرى مع فنانين من فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا وكوبا وفلسطين وسوريا وإثيوبيا. كل ذلك يتم هذه السنة من دون تجاهل الدور الاجتماعي والعلاجي الذي تؤديه الفنون. هكذا لم يعد التشارك المباشر مع الجمهور من قبل الفرقة يتمثل في المكان فحسب، بل يصل إلى نوعية العروض والأشخاص المشاركين فيها؛ من بينهم لاجئون فلسطينيون وسوريون وعاملات أجنبيات.
بعد الافتتاحية الموسيقية، تطلق رائدة طه المهرجان عند السابعة من مساء اليوم. في «ألاقي زيك فين يا علي» (يعرض طيلة أيام المهرجان ــ إخراج لينا أبيض)، تقارب رائدة ابنة خاطف الطائرات الشهيد علي طه الخسارة والشهادة من منطلق شخصي داخلي، بعد انحسار الصخب الإعلامي والجماهيري عن القضية. يارا بونصار تقدم عرض «بيت بلدي: حكايات مدن بلا خيطان» (29 ـ 30) الذي شاهدناه هذه السنة في «مسرح مونو». تكتشف الفنانة اللبنانية أجزاء من ماضيها في العرض الذي أخرجته وكتبت نصه وتؤديه منفردة على الخشبة، إلى جانب باد كونكا (تأليف وأداء موسيقي).


تفتتح «ألاقي زيّك فين
يا علي» للينا أبيض المهرجان
مساء اليوم

إنها رحلة طويلة تصل خيطانها اللامرئية بين مدن كثيرة، إلا أن بيروت تبقى السيدة ومستودع الذكريات. وبعيداً عن الفنانين، يفتح المهرجان أبوابه أمام مجموعة من اللاجئين السوريين والفلسطينيين من مخيمات شاتيلا وبرج البراجنة وعين الحلوة والبداوي والرحمة. «توتة توتة... بلشت الحدوتة» (28 ـ 29/8) هو مشروع فني (اخراج رأفت الزاقور ــ راجع مقال الزميلة منى مرعي في الصفحة المقابلة) تعمل عليه مجموعة من الفنانين (فكرة حنان الحاج علي، وعبدالله الكفري) لإخراج المواهب من اللاجئين. تنطلق العروض الأولى للمسرحية قبل أن تنتقل لاحقاً إلى مناطق لبنانية أخرى. يصل العمل لبنان بسوريا، عبر الذاكرة الفجة لكل لاجئ وللممثلين المشاركين. المساحة التي يؤمنها المهرجان للاجئين هي فسحة أخرى للعاملات الأجنبيات اللواتي جعل العنف والتهميش وظروف العمل منهن لاجئات من نوع آخر. «طقوس مناجاة» (30/8) هو عنوان العمل الذي جاء ثمرة تعاون بين «جمعية عامل» و«مجموعة كهربا».
تلاحق 13 امرأة اثيوبية طيف صديقتهن بوزيه التي قضت «بطريقة غير متعمدة» في منزل عائلة لبنانية، بعدما عانت طوال تلك السنوات من الاستغلال وقمع الحرية. ظلم لم ينته حتى بعد الموت، فكيف تم هذا؟ ستكمل القصة لنا شهادات النساء في قصة بوزيه التي تكشف بدورها عن حيواتهن المتناقضة. من المسرح إلى الرقص مع «متكئون على وسادة الريح» (29 و30/8) التي تقدمها فرقة من الأطفال الفلسطينيين الراقصين من مخيم عين الحلوة ( بالتعاون مع «أجيال» و«كهربا»). العرض المسرحي الراقص الذي بدأ العمل عليه منذ 2014، سيعرّفنا إلى الجيل الثالث من اللاجئين الفلسطينيين من خلال الشعر والخيال والإشارات وفن التلاعب بالأشياء التي تشكّل لغتهم لقول ما لا يستطيعون قوله. يجسد عرض «محلي» (28/8) الراقص علاقة دانيا حمود (رقص وأداء) بالمكان الذي ترقص فيه، حيث يتداخل مفهومه مع علاقة الفتاة بأرضها. الرقص المعاصر أيضاً نشاهده في «اللقاء» (30/8) لماريا مونيوث ورفاييلا جوردانو اللتين تقدمان عرضاً بخطوات مختلفة على ألحان باخ وكارل فريدريش آبل. الرقص موجود أيضاً في فيلم «اليرقة» الذي يعرض للمرة الأولى ضمن المهرجان. يستمد الراقصون الـ11 حركاتهم (تنفيذ: وفاء سيلين حلاوي، تصميم: كورين سكاف) من اليرقة أثناء نسج شرنقتها بدقة عالية.
أما الفيلم فمؤلف من فيديو رقص، حيث قام الراقصون بنسج خيوط رقصتهم في مصنع حرير قديم. انطلاقاً من مسرحية Wunschkonzert (1971) للكاتب فرانز كزافير كروتز، تنطلق الراقصة الكوبية مورا موراليس في عرضها الذي يحمل اسم المسرحية (29/8). هكذا يلتصق يأس الحياة اليومية بالعالم الحلم، أو المتخيل الذي يصبح العالم المنتصر لتخطي كل العقوبات في قصتها. موعد آخر مع ماريا مونيوث في «باخ ــ نسخة مصغرة» (29/8) مع باب راميس. تجري الراقصة حواراً بين موسيقى باخ وجسدها، لتطير بنا إلى عالم الموسيقي الألماني. للحكايات مكان بالطبع. على أنغام الكمان (موسيقى كولين بيب ديكسون)، نستمع إلى قصة «الأمير السعيد» لأوسكار وايلد بصوت الفنانة اللبنانية عايدة صبرا (ترجمة كريستيل خضر) في عرض «الأمير السعيد» (28و29/8) الذي يجمع بين الموسيقى والحكاية (مجموعة Elsewhere).
مع برالين بارا، نستمع إلى مجموعة من القصص المدينية من القارات الخمس في «حكايا من القارات التسع» (29 و30/ 8). عام 1981، انطلقت الحكواتية الفرنسية في أخبار حكايا من القارات الخمس، مازجة بين التقليدي والمعاصر. ترتفع حصيلة المشاركات الموسيقية هذه الدورة لتصل إلى خمسة عروض. «إيقاع وتري رباعي» (30/8) هو عنوان الأمسية التي تعزفها فرقة صغيرة من طلاب «الكونسرفاتوار» (تنفيذ أنترانيك كراجيان)، التي تقدّم مقطوعات لفيفالدي وباغنيني وبرامس، وكوميداس وجمال أبو الحسن. تجتمع أربع أيادٍ على البيانو في «فانتازيا موسيقية بمفتاح الشغف» (28/8) التي يقدّمها نيكولا معلوف وجوزيف قاعي، فيما يشارك قاعي (بيانو) في ديو (29/8) مع هرميني نوربتليان (كمان).
فاصل موسيقي قصير، يقدّم فيه الثنائي مزيجاً من الموسيقى الكلاسيكية والأرمنية. نستمع إلى الموسيقى الأرمنية الفولكلورية أيضاً في حفلة فرقة «غربالا» التي تأسست في بيروت عام 2011، معتمدة المزج بين الجاز والموسيقى الغجرية. محطة مع موسيقى الشعوب التي تتسلل إلى المهرجان من خلال جوقة «على حبل الهوا» (29/8) التي تقدم أغنيات أفريقية وأميركية لاتينية وأوروبية شرقية. هناك «الغزّالة» البهلواني (28، 29/8) لسيسيل مونت ــ رينو، مع كارول عبود، الذي يجمع الموسيقى والقصائد والتجهيز الصوتي. وتدعونا هرميني نوربتليان إلى إنجاز «أوريغامي عملاقة» ضمن قالب فني تفاعلي. وتعرض ثلاثة أفلام وثائقية (28 و29/8) حول أطفال العمال المهاجرين هي «الأطفال النازحون إلى لبنان»، و»بيت الأمل»، و»السجن: قصة شاب». يظهر التجهيز الفني الذي أنجزه جوزيف قاعي وكارين كيروز، فكرة التبدل المدني والاجتماعي للطبيعة في بيروت. يلجأ الثنائي إلى الأسوار التي تلتف حول مواقع الأبنية الحديثة، التي تهدد بدورها الفسحات العامة المتبقية في بيروت.

«نحنا والقمر والجيران»: ابتداء من السابعة من مساء اليوم حتى مساء الأحد 30 آب (أغسطس) ــ «درج الفاندوم» (مار مخايل ــ بيروت). www.collectifkahraba.org




لقاءات وتبادل خبرات

على هامش «نحنا والقمر والجيران»، اقترحت جوليان عرب هذه السنة برنامجاً خاصاً للفاعلين الثقافيين الدوليين المهتمين بالحركة الثقافية في لبنان. تحت عنوان programme – Pro يحتضن الحدث لقاءات بين فنانين لبنانيين مع مديري مهرجانات أجانب. حتى 31 آب (أغسطس) يقدم فنانون لبنانيون مشاريعهم في فضاءات مختلفة في بيروت، من بينهم حنان الحاج علي ودانيا حمود وعلي شحرور ويارا بونصار ومايا زبيب. كذلك تجرى نقاشات حول «الفنانون العرب، أين هم؟» يديرها الزميل بيار أبي صعب بمشاركة مديري مهرجانات، و»أنا فنان وأعمل في بيروت» مع المحامية والباحثة نايلة جعجع، و»أعمال مشتركة» يديره الباحث والدراماتورج السوري عبدالله الكفري.