ثلاثي العود الفلسطيني وصل أخيراً إلى لبنان



حملوا أعوادهم وتبعوه على دروب الشعر، ثم واصلوا الرحلة السيزيفيّة وحدهم برفقة صوته. سمير ووسام وعدنان في بيروت للمرّة الأولى، بدعوة من Liban Jazz، ليستعيدوا ليلة الاثنين في الـ«ميوزيكهول»، عملاً قائماً على التناغم بين الحركة والصمت، انطلق قبل عامين من رام الله في الذكرى الأربعين لرحيل الشاعر

هالة نهرا
يتأبّطون أعوادهم، ويجوبون فضاء الشعر. يستعينون بقصائد محمود درويش كأنّما ليقولوا: «نحن أحياء وباقون... وللحلم بقية». ها هم اليوم يثبتون أنّ مقاربة الشعر لا تتّخذ شكلاً واحداً، وأنّ الموسيقى الآلاتية تفي الشعر حقّه. الإخوة جبران، سمير، وسام، وعدنان ـــــ المعروفون أيضاً بالثلاثي جبران ـــــ يقدّمون نمطاً فنّياً جديداً. أعوادهم الثلاثة سترافق صوت درويش يوم الإثنين في «ميوزيكهول». «في ظلّ الكلام» عرض قُدّم للمرّة الأولى في رام اللّه في ذكرى أربعين درويش، ويأتي بمثابة تحية إلى روح الشاعر. لعلّه أيضاً احتفاء بالعود في ظلّ محاولات طمس الهوية التي يتعرّض لها الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلّة عام 1948. الإخوة جبران فهموا باكراً أنّ الاتّكاء على القضية وحدها لا يخدمها، فالتزموا القيمة الفنّية لأعمالهم. ألم يكن درويش سبّاقاً إلى إدراك ضرورة نقل الشعر من المباشرة والرعوية، إلى مستويات أكثر تقدّماً ومواجهةً لأسئلة الوطن، والإنسان الفرد، والحاضر والمستقبل؟ الأمر نفسه ينطبق على الثلاثي جبران. صداقة سمير جبران (الشقيق الأكبر) مع درويش، فتحت له أفقاً فنّياً ومعرفيّاً جديداً، ما انعكس على خيارات الإخوة الثلاثة. صاحب «ذاكرة للنسيان»، تمنّى ألا يلحّنوا شعره، فلبّوا رغبته. ربّما لم يرد أن يكرّر أحد تجربته مع مرسيل خليفة. هكذا تجلّى الثلاثي، بكفاءة وتفنُّن، في تظليل الشعر بالموسيقى والعكس.
الإخوة جبران سيعزفون إذاً في مناخ شعري لا يخلو من الدرامية،




"Majaz"








والشغف، والتأمّل... تجاور قصائد درويش وألحان الثلاثي ـــــ بعيداً عن الشكل الغنائي ـــــ يبقي الموسيقى والشعر مستقلّين رغم تكاملهما أحياناً. إذا فُصل بين المادّتين (الشعرية والموسيقية)، لا تتأثّر الميلوديا سلباً، رغم احتمال فقدانها وظيفتها. يجمع الثلاثي جبران بين الارتجال والتدوين، في المرافقة الوترية لقصائد مثل «لاعب النرد»، و«على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة»، و«درس من كاما سوطرا». إلى هذه المسألة ينبّهنا سمير: «نبرة درويش وهو يلقي بعضاً من قصائده، لا تمثّل خلفية للعرض». ويضيف: «محمود يقيم بيننا بكل حضوره الشعريّ



"سفر"








والصوتي». كذلك، يؤكّد أكبر الإخوة أنّ سرّ التواطؤ الفنّي بين نبرة درويش وإلقائه الشعري من جهة، وموسيقاهم من الجهة الأخرى، يكمن في التناغم بين الحركة والصمت، و«القدرة على التلاعب بتعبيرات درويش الصوتية عبر تقنيّات الهندسة الصوتية».
تربط سمير جبران بدرويش علاقة عمرها أكثر من 12 سنة. ربّما لذلك يشعر بأنّه مسؤول عن إحياء شعر درويش، ويحاول إضفاء لمسته الخاصة على حضور درويش الصوتيّ. أمام صوت مركّب ومتعدّد، وقصائد تضجّ بالإيقاعات، وتطفح بغنائية وجدانية، يجدر التساؤل عن جدوى هذه التركيبة، وقدرة الثلاثي جبران على مواكبة متطلّبات شعر درويش. لا شكّ في أنّ مَوْسَقة الشعر تحتاج إلى فنّان يتميّز بحساسية موسيقية وشعرية. هذه الصفات تنطبق على سمير تحديداً. مَوْسَقة الشعر ومسرحته، تتشابهان بطريقة أو بأخرى، إذ تستلزمان مقاربة تضيف إلى الشعر بعداً وظلاًّ جديدين، وتستثمر في التوظيف السمعي أو المشهدي.
لعلّ العلامة الفارقة الأساسيّة لتجربة الإخوة جبران، تكمن في ابتداعهم طريقة للعزف الثلاثي على العود. هناك تجربة سابقة لمرسيل خليفة في «جدل» (عودان، وباص، ورقّ). الكتابة الموسيقية في «جدل»، ترتكز على الهارموني والكونتربوان. أمّا موسيقى الإخوة جبران، فأفقية، وهيتروفونية (متّسمة بطابع أفقي رغم التعدّد النغمي). الثلاثي جبران لم يلجأ إلى الهارموني «لأنّها

عازفون متمرّسون، وملحّنون واعدون، ومؤلّفون في مجال الموسيقى الآلاتية

تقوم على قواعد غربية لا علاقة لها بالموسيقى العربية»، كما يقول سمير الذي لا يدّعي الإلمام بقواعد الكتابة العمودية (الهارموني). الثلاثي جبران يحاول إعادة الاعتبار إلى العود في ظلّ طغيان الثقافة والموسيقى الغربيتين. «نريد أن نُظهر للعالم أنّ العود قويّ، وأنّ طاقاته لم تُستنزف بعد»، يقول سمير. ويضيف: «من قال إنّ العود عاجز عن الانخراط في مشروع فنّي عربي، وعصري، وكونيّ؟».
ثمّة مشكلة يواجهها العود منذ عقود، وتتمثّل في عدم إتقان صناعته. وسام جبران يتولّى صناعة أعواد الثلاثي. الإخوة الثلاثة حريصون على دقّة الهندسة الصوتية الخاصة بالعود. حتّى الآن، لا يمكن أن نعدّهم مؤلّفين، إلّا في مجال الموسيقى الآلاتية. إنّهم عازفون متمرّسون، وملحّنون واعدون. الثلاثي جبران يخشى أن يصبح العود أسير الماضي أو حكراً على النخبة. «العزف المنفرد على العود يستقطب جمهورين: الأوّل أكاديمي يبحث عن ذوق بعيد، والثاني غربي ومستشرق»، يقول سمير. لذلك يسعى الإخوة جبران إلى تقديم العود العربي في أوروبا والعالم كما هو، لا كما يريد الأوروبيون. بعد «رندنة» و«مجاز»، كأنّهم يعودون اليوم إلى البدايات. لم يشفوا من ظلال شاعر رافقوه في أكثر من 30 أمسية، ولا يكفّون عن محاولة القبض على صوته بشتّى الأساليب. درويش يصبح أكثر حضوراً كلّما أمعنّا الوقوف «في حضرة الغياب». أمّا الإخوة جبران، الذين رافقوه على المسرح في حضوره، فلم يعد لهم سوى الإقامة «في ظلّ الكلام». بعد جولة في أوروبا والولايات المتّحدة، وبعض المدن العربية، يقدّم الثلاثي هذه الأمسية في بيروت، كأنّما ليردّد عبارة درويش الشهيرة: «هزمتْكَ يا موت الفنون جميعها»!