كوابيس النظام السابق في زمن الاحتلال الأميركي


محمد الأمين
فيلم «ابن بابل» الذي يصل قريباً إلى الشاشات اللبنانيّة، تنقّل بين مهرجانات عدّة، كان آخرها «مهرجان الفيلم الهولندي» في أوتريخت الذي اختتم به دورته الثلاثين. «في هذه المدينة تشكّلت التجربة السينمائية لمحمد الدراجي» تذكّر ديجنا فان نيلن من إدارة المهرجان. وتضيف أن المخرج العراقي الشاب الذي يحمل الجنسية الهولندية، «يمثّل نموذجاً للجيل الجديد في السينما الهولنديّة».
في لقاء مع الجمهور الهولندي، استعاد الدراجي المصاعب التي واجهها في الحصول على الدعم المالي: «اتصلت بالجهات الرسمية المعنية في بغداد لدعم الفيلم، لكنّها اشترطت عليّ أن أغيّر هوية الشخصية المحورية من كردية إلى عربية. بعدها، توجهت إلى الجهات الرسمية في إقليم كردستان، لكنّها رأت في الفيلم بروباغندا للعرب، وإغفالاً للسياسات العنصرية التي مورست ضد الأكراد». باختصار، أراد الدراجي أن يقول إن فيلمه لم يكن مرضياً عنه من قبل السلطات الرسميّة في بلاده مهما كانت...
ولعل الدافع وراء تحقيق هذا الفيلم يسهم في الإجابة عن الكثير من الأسئلة. الدراجي كما قال في حديثه، كان شاهداً خلال طفولته على مأساة خاصة، إذ فقدت إحدى قريباته زوجها خلال الحرب العراقية الإيرانية، وعايش عن قرب حزنها الذي رافقها حتى في المناسبات السعيدة، كحفلات الزواج وأعياد الميلاد. ثم جاء اطّلاعه على حكاية امرأة كردية تبحث عن ابنها المفقود في جنوب العراق، ليحفّزه على الدمج بين الحكايتين واعتمادهما في فيلمه الروائي الثاني.
في «ابن بابل»، تبحث امرأة كردية عن ابنها الضابط في الجيش العراقيّ الذي سيق إلى حرب الخليج الثانية، ليلفّه الغياب بعد اعتقاله في أحداث 1991. بعد ثلاثة أسابيع على الاجتياح الأميركيّ لبغداد في 2003، تسمع الأم أنّ ابنها يقبع في أحد سجون النظام السابق في مدينة الناصرية جنوب البلاد. هكذا، تخوض رحلة من جبال كردستان إلى الناصرية، مروراً ببغداد وبابل، ومعها حفيدها الذي لم ير والده منذ ولادته، أي قبل 12 سنة.
يقوم سائق كردي بمساعدة الجدة وحفيدها عبر إيصالهما إلى بغداد. السائق هو الشخصية الوحيدة التي ترافق أم إبراهيم وحفيدها من شمال العراق إلى بغداد. في العاصمة العراقية تُتجاهل ويُتعامل معها بلا مبالاة حين تطلب المساعدة من الأهالي، حتى لتبدو هذه اللامبالاة صعبة التصديق على أرض الواقع، وإن حاول الفيلم ربطها بعدم إجادة الجدة للغة العربية بغية التواصل مع المحيط.


موسى لا ينفكّ يطلب الصفح عن جرائم النظام السابق بحق الأكراد


في بقية المشوار في بغداد والناصرية، في عمق الجنوب العراقي، تواجه المرأة الكردية صعوبات عدة، فيما يسعى حفيدها أحمد إلى التواصل مع الآخرين بحكم قدرته البسيطة على التفاهم باللغة العربية. الشخصية العربية الأساسية في هذا المقطع من الرحلة هي موسى، العضو السابق في الحرس الجمهوري، والمشارك في العديد من عمليات قتل الأكراد وإبادتهم. لم يتوغل الفيلم في حكاية موسى التي تتلخّص في امتثاله لأوامر قيادة عسكرية حوّلته مجرماً وقاتلاً. دوره للأسف لا يتعدى تقديم الاعتذارات لأم إبراهيم عن جرائم أخبر عن اقترافها، فتضطر في نهاية المطاف إلى الصفح عنه. تردّد بصوت عال: «لقد صفحت عنك يا موسى».
ربما جاءت النتائج مختلفة لو اختار الدراجي السيناريو ذاته من أجل إنجاز فيلم وثائقي يتناول حكاية امراة كردية تبحث عن ابنها في جنوب مفجوع بالمقابر الجماعية. لكنّ فيلماً روائياً يتناول هذه القضية الشائكة يستدعي معالجة دقيقة لحدث عام، ويخضع للمساءلة في نقاط عديدة، إذ إنّ اختيار الحلول السهلة والصوابية السياسية في معالجة جرائم النظام العراقي السابق، يحتاجان الى وعي، لا في قراءة الحدث فحسب، بل في تجسيده
سينمائياً.
ليس معقولاً أن يكون معظم الضحايا من الكومبارس، فيما شخصية واحدة من الجهة الأخرى هي الشخصية المحورية. أما القول بالتواصل مع أمجاد التاريخ الوطني القديم الذي يتجسّد في اسم الفيلم ومشاهد منه، فهي من الخرافات الحديثة السائدة في الثقافة العراقية، ولا يمكن زعزعتها بسهولة، وقد تبنّتها الانتلجنسيا العراقية نفسها.
المصادفة تشاء أن تكون المقابر الجماعية قريبة من الأماكن الأثرية التي كانت مسرحاً لحضارات بلاد الرافدين... لكنّ الرابط بين الحدثين يظل ذا طابع ثقافي نخبوي. وهذا الجانب الرمزي والذهني في النهاية، قد لا يصلح إطاراً تتحرّك ضمنه شخصيات الفيلم القادمة من الطبقات الشعبية.


بدءاً من 7 تشرين الأول (أكتوبر) ـــــ صالات أمبير ـــــ www.circuit-empire.com