عمان ــ أحمد الزعتري

يفكّر رائد إبراهيم (1971) «في تصدير» معرضه «حياة أبدية» إلى عمّان. المشروع الذي أقامه في قلعة هانفيلد (جنوب النمسا) أخيراً، جاء نتيجة إقامة فنية بدعم من جمعية «شرق أدنى ـــــ غرب أدنى». لكن السيناريو المقترح لعودة الفنان الأردني يقضي بتحميله أحزمة ناسفة وقنابل موقوتة. هذه المرة، قد لا تشفع له مساحة الجهل الفنّي الواسعة التي مرّرت معرضيه السابقين «لكل داء دواء» (2009)، و«دولة إسماعيل» (2010). الجديد في هذا المعرض أنه يعمل على تشويش النظرة العامة لموضوع إشكالي مثل التفجيرات الانتحاريّة. في «لكل داء دواء»، كانت هناك بعض إشارات السياسيّة مثل الانتماء الوطني ، والإسلاموفوبيا، إضافة إلى مواضيع اجتماعيّة مثل رهاب المثلية الجنسية، والعنف المنزليّ. وفي «دولة إسماعيل»، احتل الفنان مدينة سويسريّة، داعياً سكانها إلى التقدّم بطلبات الجنسيّة للدولة الجديدة.
هنا، يستمرّ إبراهيم في تناول المواضيع الإشكاليّة ذاتها، لكن بتوتّر أعلى، واضعاً الإنسان المعاصر وجهاً لوجه مع الموت. وظيفة الفن بالنسبة إلى إبراهيم هي هدم وجه العالم، وإعادة بنائه، ليكون أكثر قبحاً ربما. لن يكون وجه العالم المعاصر هنا إلا «الإرهاب». يصنع إبراهيم «منتجات ذات خصائص ووظائف مختلفة لسد الحاجة والفراغ في هذا السوق المتنامي». هذه المنتجات هي حزام ناسف مزوّد بطبقات من الكربون ضد الحساسيّة، ومزايا أخرى لتحافظ على الجسد كما هو بعد التفجير. إضافةً إلى كتالوغ إرشادات لارتداء الحزام بالطريقة الصحيحة.


قنابل موقوتة مرفقة بكتالوغات إرشاديّة
في عمل آخر، ينجز «القنبلة الصليبيّة» لاستهداف الصليبيين بيولوجيّاً ونفسيّاً. أما «قنبلة الجيرة»، فمصممة لإصدار «جراثيم تستهدف اليهود». و«قنبلة الأخوّة» التي يمكن تعديلها لاستهداف الطائفة السنيّة أو الشيعيّة، أو كلتيهما معاً. هذه القنابل مرفقة أيضاً بكتالوغات إرشاديّة يمكن أي شخص أن يُجرّم لمجرّد البحث عنها في الإنترنت. في أحدها، يمكن الزبائن معرفة المكان الأفضل لتفجير حزامهم الناسف في الطائرة، أو في الباص، أو بين الحشود... ولنا أن نتخيّل ردود الفعل الأوروبيّة على هذه المباشرة في الطرح. يقول إبراهيم إنه اضطرّ إلى شرح مغزاه من وراء المعرض، إن لم يكن تبريره. هكذا أرفق المعرض بوثائق عن تاريخ العمليات الاستشهاديّة، وصناعة السلاح، والكاميكاز.
لكن إبراهيم الذي درس الرسم والتصوير في «معهد الفنون الجميلة» في «الجامعة اللبنانية»، يعمل دائماً في هذه المنطقة الشائكة. والتورّط في هذه المنطقة هو ما كان ينقص المشهد الفني الأردني المعاصر المقتصر على طبقة معينة باعتباره ترفاً. وليس هناك من شك في أن معرض الفنانة الفلسطينيّة منى حاطوم في «دارة الفنون» عام 2008 خرّب الطمأنينة الداخلية لصنّاع المشهد الفني الأردني. بعد المعرض، لوحظ أثر حاطوم في ثلاثة معارض على الأقل.
تجربة رائد إبراهيم تنضج على مهل، بعيداً عن الجو العام. ولن يمرّ وقت طويل على الأرجح حتى يصبح له مقلّدون، لقدرته على خضّ المزاج البلاستيكي لصنّاع الفن هنا. وكما يقول إبراهيم نفسه: «مساحة الحرية الممزوجة بالجهل تجعل إقامة معرض مماثل ممكنة جداً في الأردن، إذ إن السلطات باتت تعلم أو تعتقد أنه لا تأثير لمثل تلك الأعمال».