بحثاً عن صوت المدينة المفقود



السينمائيّة المخضرمة، رفيقة مارون بغدادي ورندا الشهال وبرهان علويّة، تبحث عن آفاق الخلاص من خلال الأدب والكتاب، في فيلم تجريبي بعنوان «شو عم بيصير؟»


سناء الخوري
«شو عم بيصير؟» ليس مجرّد عنوان فيلم. في شريط جوسلين صعب الجديد، يصير هذا السؤال أزمة ملحّة ترافق الشخصيات والجمهور طوال ساعة وربع ساعة. على الشاشة، تؤدي خلود ياسين رقصتها بشراسة المرأة البدائية. تظهر حيناً ملقاةً مع قلبها في حوض سباحة فارغ، وتنام حيناً آخر بين صفحات كتاب ضخم. أمّا ليليت (جمانة حداد)، فتشرئبّ من على سطح أحد الأبينة المطلّة على ساحة النجمة، ممتطية أسداً مجنّحاً. وبين الاثنتين، يدور نصري الصايغ الابن، كتائه في شوارع بيروت، وفوق سطوحها. جلال خوري، يتقمّص دور كاتب، هو من يخيط كلّ هذه الشخصيات أمامنا، بشيء من العنف والقدريَّة. وحدها، بائعة الهوى (ريا حيدر) تقف في وجهه وتقرّر هجر الرواية عن غير رجعة.
بعد عام ونصف على إطلاق المشروع، في مناسبة «بيروت عاصمة عالميّة للكتاب»، أنهت صاحبة «دنيا» شريطها الجديد. فيلم يحتفي بعمليّة الخلق والإبداع، ويسائلها في الوقت عينه، إذ يختار خيال الكاتب محركاً أساسياً لحبكته. يشارك «شو عم بيصير؟» في الدورة الحالية من «مهرجان بيروت السينمائي الدولي»، بالتزامن مع انطلاق عروضه التجارية في 8 تشرين الأول (أكتوبر).
أنهت السينمائية شريطها خلال فترة قصيرة نسبياً، ملتزمة بروزنامة الحدث أي «بيروت عاصمة عالميّة للكتاب»، وتيماته. قد لا نظلم ابنة جيل برهان علويّة، ومارون بغدادي، ورندا الشهال، إن قلنا إنّ الدافع الحدثي والاحتفالي لـ«شو عم بيصير؟»، ترك بصماته واضحة على التجربة. هكذا جاء العمل الذي تشفع له طبيعته الاختباريّة، موشوماً بطبيعة المناسبة ونقاط ضعفها ونواقصها... لكنّ ذلك لن يمنع الجمهور من الاحتفاء بالسينمائية اللبنانية العائدة بعد طول انتظار.
خلال أربعين عاماً أمضتها في ميدان الفن السابع، حملت جوسلين صعب كاميراها في زورايب بيروت، تصوّر يوميات الحرب، وتحولات المدينة. صنعت أكثر من عشرين وثائقياً، وكدّست مادة أرشيفيّة ضخمة. لكنّها المرة الأولى التي يصل فيها شريط روائي من توقيعها إلى الصالات اللبنانية. فعام 2006، حالت حرب تموز دون عرض «دنيا»، شريطها عن ختان الإناث الذي أثار سجالاً واسعاً في مصر. أمّا أعمالها المرجعيّة، فبقيت أسيرة رفوف المكتبات الخاصّة، وإن كانت قد كرّست صاحبتها وسط جيل المؤسسين. من بين هذه الأعمال، «كان يا مكان بيروت» (1995) الذي يحكي عن ذاكرة المدينة الطالعة لتوّها من سنوات الاقتتال. نتذكّر أيضاً «بيروت مدينتي» (1982) الوثائقي الذي كتب نصّه المسرحي روجيه عساف، وصوّرت فيه صعب حريق بيتها، وآثار الاجتياح الإسرائيلي.
وبيروت لا تغيب عن الشريط الجديد... قد يكون الإنجاز الأبرز لـ«شو عم بيصير؟»، قدرته على التقاط نفَس المكان وتصويره من كلّ زواياه. كأنّ المخرجة كانت تحاول ضم مدينتها واحتواءها. بين اللقطات البعيدة المأخوذة للمرفأ ومحيطه، والتركيز على البيوت القديمة كعنصر مهم في الديكور، والإصرار على تشبيع الصورة


«برج المرّ» سوق عكاظ معاصرة تدور فيها طقوس غريبة


باللون الأخضر، تحوّل المضمون المشهدي للعمل إلى بانوراما سينمائية نادرة للعاصمة. «أردت البحث عن روح المدينة المفقودة»، تلفت جوسلين. في هذا السياق، اختارت السينمائية برج المر، المثقل بتاريخ القنص والخطف، وحوّلته إلى سوق عكاظ، مسكون بالكتب والشعر. الفيلم بمجمله يعجّ بمقتطفات من الأدب العالمي، أحيطت بهالة نصوص دينية مقدّسة. كذلك الأمر بالنسبة إلى الشخصيات، إذ كتبتها صعب بوحي من «القصص الشعبية والمرويات الميثولوجيّة».
يترنّح الشريط بين مضمون مشهدي واقعي وبارد، وبين سيناريو يغرق في التجريد. نبرته التأمليّة، تجعله أقرب إلى الـ«فيديو آرت»، أو إلى فيلم سريالي. الطابع الأدبي للعمل، وقالبه السردي الشاعري، إضافةً إلى مناخات السحر والغرابة الطاغية عليه، ثمار همٍّ إبداعي يحرّك هذه السينمائية، ولو أن هذا الهمّ لا يصلنا كاملاً هنا. تلخّص المخرجة تجربتها بمحاولة «صياغة هويّة» بعيداً عن سينما الحرب. فـ«طالما نحن نصنع أفلام حرب، هذا يعني أننا لا نزال نتخبّط في الراهن المقفل، ونرزح تحت عبء الحدث الطارئ. متى نصل إلى مرحلة جديدة، ونصنع سينما هي التي تحدِّدنا». وتختم جوسلين صعب: «لن نتمكن من تحديد هويتنا إلا حين يقترب عملنا الإبداعي من التسامي».


8:00 مساء الجمعة 8 تشرين الأول (أكتوبر) ــــ صالة «بلانيت أبراج» (فرن الشباك). للاستعلام: 01/292192