هالة نهرا

في زمن الانقسام الطائفي والمذهبي، لا أحد ـــــ لا شيء ـــــ يجمع بين اللبنانيين سوى فيروز، وكلّ ما عداها ما زال موضع نزاع وطني! فيروز والأخوان رحباني، نسجوا وطناً آخر من مسرحهم وأغنياتهم. وطن الرحابنة المتخيّل لا يشبه واقع لبنان السقيم، والممسوس بشبح الحرب الأهلية. كأنّ إطلالة فيروز الآن وهنا تعويذة ضدّ الحرب. طالت غيبة فيروز، وآن الأوان للقائها. وحده صوتها له سطوة على بيروت، و«فيه ذلك «الشيء الأكثر» الذي لا يفسَّر»، كما كتب الشاعر أنسي الحاج في إحدى مقالاته في «الأخبار».
محاولة تفسير سرّ صوت فيروز مهمّة شبه مستحيلة. «كيف يمكن الكلام عن الصوت» (صوت فيروز)، سأل الكاتب والباحث فوّاز طرابلسي في كتابه «فيروز والرحابنة ـــــ مسرح الغريب والكنز والأعجوبة»، من دون أن يجيب عن السؤال الأحجية. صوت فيروز لغزٌ لن يُحلّ، وسحرٌ لا يفهمه إلّا السحرة. هذا ليس كلاماً إنشائيّاً! إنّها ببساطة محاولة لوصف صوت فيروز. حتّى الناقد الراحل نزار مروّة الذي كرّس معظم وقته ومقالاته للبحث في «خصوصية المسرح الغنائي الرحباني»، لم يغُص في قاع صوتها. اكتفى بالحديث عمّا تمثّله فيروز من «عالم فنّي ينطق بالقيم الموسيقية التحديثية» و«خصائص محلّية لبنانية تراثية».
أهمّ ما كتبه مروّة هو أنّها تحوّلت إلى «ذاكرة صوتية تشعّ بالمضمون الطليعي». لنتعاطَ إذاً معها بوصفها أكثر من «صوت» و«أغنية» قابلين للتأويل النمطي. فيروز ليست ذاكرة صوتية فحسب، بل هي ذاكرتنا. نبدأ نهارنا بصوت فيروز «لا كمغنّية فحسب، بل كوسيطة، كدليل جمالي وروحي (...) ومعنى أوّل وأوّلي لوجودنا»، كتب الشاعر عبّاس بيضون في جريدة «السفير» (2006). الميتزو سوبرانو التي ولّد لقاؤها مع الأخوين رحباني (أواخر الأربعينيّات) أهمّ ظاهرة موسيقية في العالم العربي، زاوجت بين «الخصائص الغنائية العربية والأساليب الغربية المتطوّرة»، وفق نزار مروّة. إضافة إلى تقديمها الفولكلور اللبناني والتراث التقليدي العربي (الموشّحات، مثلاً)، والطرب الحديث وأغاني الأخوين رحباني، غنّت لفيلمون وهبه، ومحمّد عبد الوهاب، وزكي ناصيف، وابنها زياد، وغيرهم. ليس سهلاً أن تؤدّي مغنّية عربية مجموعةً من الأساليب الغنائية المختلفة. هنا تكمن أهمّية فيروز التي جمعت بين النخبوي والشعبي، والتراثي والطربي والغنائي Lyrique.

الميتزو سوبرانو التي ولّد لقاؤها مع الأخوين رحباني (أواخر الأربعينيّات) أهمّ ظاهرة موسيقية في العالم العربي
تأديتها للأغنية اللبنانية المعاصرة، خارج أسوار المدرسة المصرية، أسهمت في انتشار أغنيات الأخوين رحباني، وتكريسها نموذجاً للدمج الحداثي. فيروز مغامِرة. لا شكّ في أنّها كذلك. تجربتها مع زياد الرحباني تظهر قدرتها على مواكبة لغة العصر، ومدى اقترابها من الجيل الجديد. لزياد فضلٌ في ذلك، إذ إنّه أنزلها من عرشٍ أيقونيّ إلى عالم الواقع بكلّ ما فيه من انكسارات وتناقضات، وقصص حبّ تُطرح في سياقها الزمنيّ لا خارجه. زياد حوّلها إلى امرأةٍ من لحم ودم، ونزع عنها قدسية صورتها. نعم لقد فعل ذلك وأكثر. ولو حاول أيّ فنّان آخر أن يُقدم على هذه الخطوة غير المسبوقة، لما تقبّله الجمهور. لزياد مكانةٌ خاصة لدى الناس، وفي الشارع اللبناني والعربي، ما خوّله أن يتفوّه بما يشاء ساعة يشاء، وأن يجعل فيروز تنطق بمفرداتٍ وعبارات مثل «يخرب بيت عيونِك» (أغنية «عَ هدير البوسطة»)، و«مَلّا إنتَ» (أغنية «كيفَك إنتَ»).
هذا بدلاً من أن يستمدّ ألفاظه من معجم «المواعيد والعناقيد، والساحات والليلات...»، على حدّ تعبيره. التقاطه لنبض الشارع وإيقاعه ولغته اليومية المباشرة، لم يكن منفصلاً عن مشروع موسيقي مزج فيه الموسيقى الشرقية والعربية (مصرية وعراقية وحلبية وكردية) بالجاز والفانك والموسيقى الكلاسيكية الغربية. فيروز تبنّت رؤية زياد للأغنية، فأدّت «خلّيك بالبيت»، و«عودك رنّان»، و«صباح ومسا»، وغيرها. في بعض أغنيات فيروز الطربية، بدا زياد كأنّه يحاكي أسلوب فيلمون وهبه، وخصوصاً في «حبّيتَك تنسيت النوم».
كثر ما زالوا يعتقدون أنّ هذه الأغنية هي من ألحان فيلمون، علماً بأنّه لحّن لفيروز «أنا خوفي من عتم الليل»، و«ورقو الأصفر»، و«بلَيل وشتي»... جمع فيلمون وهبه بين التفرّد والإعجاز، وكادت بعض ألحانه تلامس أسلوب الأخوين رحباني أحياناً.
أغنياته تثير الدهشة لشدّة بساطتها وتعقيدها في الوقت نفسه. لعلّه كان يقولب صوت فيروز على طريقته الخاصة، الخالية من أيّ معرفة (علمية) موسيقية. حتّى النوتات لم يكن يجيد قراءتها! موهبته الفطرية مكّنته من الخروج عن المألوف، وخصوصاً لدى تنقّله بين المقامات («إسوارة العروس»، مثلاً). كثيراً ما كان يعتمد على العفوية لتطوير أفكاره الموسيقية. بطريقة ما، كان يشبه زكي ناصيف.
لكن هذا الأخير كان أقلّ ميلاً إلى الطرب في تجربته مع فيروز (وخارجها)، وأكثر إلماماً بالتأليف والتوزيع، وأكثر جنوحاً إلى الألحان المتّسمة بخصوصية لبنانية (باستثناء «يا بني أمّي»). حين صدرت أسطوانة «فيروز تغنّي زكي ناصيف» (1994)، لاقت نجاحاً يعدّ مقبولاً، لكنّه لم يكن باهراً أو جماهيريّاً مقارنةً بتجربة فيروز مع فيلمون، ثمّ زياد.
أن تحيي فيروز أمسيتين في «البيال»، يعني أنّ الوطن لم يوصد أبوابه بعد. حين يضيق بنا الوطن، نلوذ بصوت فيروز، ونتظلّل به... حتّى لا نشعر أنّنا بلا ذاكرة ووطن!