هيئة الكتاب» لا تنشر. وقاعات العرض لا تعرض، والوزير غضّ النظر عن بيع الأرشيف السينمائي... وفي تلك الأثناء، يحتضن القطاع العام في مصر اجتماعاً لمؤسسة مستقلّة تشتغل على «السياسات الثقافية»


القاهرة ـــ محمد خير
«السياسات هي الدولة» يقول الروائي والكاتب الصحافي عزت القمحاوي، محاولاً ايجاد تفسير مقنع لهذا الحدث: «المجلس الأعلى للثقافة» في مصر يستضيف الاجتماع الثاني لمجموعة العمل على «السياسات الثقافية» التي تحرّك خيوطها بسمة الحسيني. المجلس جهة حكومية، أما الاجتماع الذي عقد أخيراً، فنظّمته جهة مستقلة هي «المورد الثقافي» تنفيذاً لتوصيات مؤتمر «السياسات الثقافية في العالم العربي» الذي أقيم في بيروت في حزيران (يونيو) الماضي.
منذ متى تتحمس وزارة الثقافة المصرية لاستضافة اجتماع ينظمه نشطاء مستقلون؟ حتى وإن كانت المبادرة تطمح إلى توجيه «النصح» للوزارة نفسها؟ أو حسب النص الرسمي: «تقديم اقتراحات عملية وقابلة للتنفيذ لتطوير السياسات الثقافية، إلى الجهات الحكومية...»؟
يقول القمحاوي، وهو أحد الذين شاركوا بصفتهم المستقلة، إنّ المؤسسات قد تتصرف بناء على جهد بعض أفرادها، وإن لم يعكسوا استراتيجيتها العامة. فقد يكون قرار المجلس التعاون مع النشطاء الثقافيي، مبادرة فردية من أمينه العام عماد أبو غازي. لكن، «هل سيكون لهذه المبادرة أي صدى في وزارة الثقافة؟»، يتساءل صاحب «غرفة ترى النيل». ويضيف أنّ على الوزارة تغيير استراتيجية «الحشد والاستعراض»: ها هو مؤتمر الرواية يقترب، وسيستضيف 150 ضيفاً، في حين أن أي مؤتمر مشابه في العالم لا يزيد ضيوفه عن أصابع اليدين. وها هو مؤتمر المسرح التجريبي يتخطى دورته الـ 22 مخاطباً نخبة محدودة، بينما ينهار مسرحنا الكلاسيكي...
هذه الفوضى، من أهم أسبابها أنّه ليس في وزارة الثقافة المصريّة أيّة جهة تقوم بعملها الأصلي. «هيئة الكتاب» لا تطبع الكتاب بل تطبعه «هيئة قصور الثقافة». والأخيرة تمتلك أكثر من 500 موقع في أقاليم مصر، تتنازعها صراعات صغيرة حول نوادي الأدب. ووزير الثقافة لا يحرك ساكناً لاعادة «شركة مصر للصوت والضوء والسينما» إلى وزارة الثقافة بدلاً من وزارة الاستثمار... إلا بعد حديث رئيس الجمهورية عن أزمة السينما. وكان فاروق حسني قد اكتفى، كل هذا الوقت، باتهام أبناء المنتجين «بعدم الوطنية» لبيعهم أصول الأفلام إلى الخارج. ولم يفكر معاليه مثلاً بالمبادرة إلى شراء تلك الأصول رغم بخس أسعارها!
لكن اجتماع «مجموعة العمل حول السياسات الثقافية» ليس مخصصاً لنقد وزارة الثقافة المصرية. الأزمات تضرب نتاج المؤسسات المستقلة أيضاً. مؤسسات يقسمها القمحاوي إلى نوعين: مؤسسات ربحية تهتم بالرائج. أما المؤسسات التي تهتم بالنوعية، فهي المؤسسات غير الربحية عادة، لكنّها مأزومة دوماً بالبحث عن مصادر التمويل.
مديرة «مؤسسة المورد الثقافي» عندها موقف مختلف: «أنا متفائلة دائماً» تقول بسمة الحسيني، مؤكدة على ضرورة «التنسيق مع الجهة الرسمية التي يمثلها دكتور عماد أبو غازي، وحسام نصار رئيس قطاع العلاقات الثقافية الخارجية». وقد دعت بعض المعنيين إلى مواصلة التفكير، في ظل وزارة الثقافة، بكيفية وضع أسس جديدة لسياسات ثقافيّة فاعلة! رغم الحضور الطاغي لـ «المستقلين» في الاجتماع المغلق الذي نظّمته «المورد»، تسهل ملاحظة وجود مصطلحات شبه حكومية في المقترحات. المقترح الأول هو وضع إطار لسياسات ثقافية «قومية». أما الهدف العملي المباشر، فهو إصدار تقرير شهري عن السياسات الثقافية في مصر. بصفة عامة، فإن «رسم التصورات والسياسات» لا زال في مرحلة التكوين، بعض المشاركين المفترضين في الاجتماع، لم يحضروا لأسباب مختلفة، بينما ما زال النشطاء بصدد ترتيب موعد دوري لاجتماعهم، على أمل الخروج بتطبيقات عملية بعيدة عن «الحشد والاستعراض».



إشكاليات أوروبيّة

في الإجتماع المغلق الذي أقيم في القاهرة، تمّت مناقشة ورقة بعنوان «عملية رسم سياسة ثقافية قومية». وتسهيلاً للنقاش، تمت استعارة جدول من نص بعنوان «فعل متوازن: إحدى وعشرون إشكالية استراتيجية في السياسات الثقافية» وضعه فرانسوا ماتاراسو وتشارلز لاندري خصيصاً لمجلس أوروبا. والسؤال البديهي الذي يتبادر إلى الذهن، هو: إلى أي مدى يصلح هذا الجدول لمناقشة واقع الثقافة العربية؟ وقد تطرّق الاجتماع إلى تحديد أولويات خاصة بالسياسة الثقافية على المستوى الوطني والإقليمي، ثم تقديم اقتراحات إلى الجهات الحكومية، والجهات الأخرى المعنية.