في سابقة عجيبة تربط الدراما بالسياسة، تأُجّل عرض المسلسل الذي حظي بنسبة متابعة عالية في القاهرة. والسبب الحرص على «عدم ضرب الإخوان» قبل انتخابات مجلس الشعب!


محمد خير
عندما قرّرت المحكمة تأجيل دعوى وقف مسلسل «الجماعة» إلى يوم غد الأحد، لم يكن أحد يتوقّع أن «التلفزيون المصري» سيؤجّل بدوره إعادة عرض العمل نفسه، إذ إنّ الخبر الذي أبرزته الصحافة فاجأ الجميع: التلفزيون لن يعيد عرض المسلسل إلا بعد... انتخابات مجلس الشعب المقبلة (!) علماً بأنّها ستجري في نهاية شهر تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.
وهو تأجيل يربط الدراما بالسياسة في سابقة عجيبة في صراحتها ووضوحها. الإعلام الرسمي الذي يُطلق على جماعة «الإخوان المسلمين» لقب «المحظورة»، كان قد ناقض توجّهه التعتيمي، بأن عرض عن الجماعة ذاتها مسلسلاً كاملاً في رمضان الماضي وُفِّرت له أكبر الإمكانات وأضخمها. لكن يبدو أن نتائج العرض لم تكن مشجّعة لمتّخِذ القرار، فإذا به لا يَدَع شيئاً للمصادفة، ولا يترك المجال للتخمينات. بل جاءت تصريحات المسؤول عن التلفزيون لتنفي كل شكّ.
في حديثه إلى صحيفة «المصري اليوم»، قال رئيس «اتحاد الإذاعة والتلفزيون» في مصر، أسامة الشيخ، إن المسلسل «سيُعاد عرضه بعد انتهاء انتخابات مجلس الشعب المقبلة، حتى لا يؤثّر في نتيجة عملية الاقتراع، أو إقبال الناس على دعم مرشحي «الإخوان» من عدمه». بالطبع فإنّ بلداً لا يزال يحتفظ بمنصب «وزير إعلام»، ويسيطر تماماً على الإعلام الرسمي وغير الرسمي، لا يمكن أن يجد مسؤولوه «الإعلاميون» غضاضة في الحديث عن انتخابات البرلمان. بل يؤكد الشيخ في حديثه ـــــ باللهجة المحكية ـــــ أن سبب هذا القرار «عشان محدّش يقول إننا بنعرض المسلسل دِلوَقتي عشان نضرب «الإخوان»»! لنتذكّر مرة أخرى أن المتحدث هو رئيس التلفزيون وليس وزير الداخلية. ولم ينسَ رئيس التلفزيون أن يؤكد في نهاية حديثه أن لا علاقة للأمن بالموضوع.

التعاطف مع حسن البنّا كان بديهياً بعدما عايشه المشاهد 28 يوماً
الواقع أنّ الكثير من الأمور يمكن فهمها بمجرد أن نعكسها. مسلسل «الجماعة» قد يؤثر في نتائج الانتخابات حقاً، لكن تأثيره لن يكون بـ«ضرب «الإخوان»» بل لمصلحتهم، فهذا العمل الدرامي الذي تصدّر الاستفتاءات وحصل على نسب مشاهدة مرتفعة جداً داخل مصر، منح «الإخوان» وجوداً لم يحلموا به عبر الشاشة الرسمية. وتقاسم صنّاع المسلسل ألقاب «أفضل ممثل» الذي حصل عليه بطل العمل إياد نصّار، و«أفضل مؤلف» للسيناريست وحيد حامد. بل حصل المسلسل أيضاً على «أفضل موسيقى تصويرية» لعمر خيرت.
الروّاد المؤسِّسون الذين كانوا ضباباً حتى في أذهان شباب «الإخوان»، تجسّدوا في المسلسل تاريخاً حياً. حتّى إنّ العرض لم يتوقّف عند نهاية شهر رمضان كما كان مقرراً، بل انتهى عند الحلقة 28، أي قبل مشهد اغتيال مؤسس «الإخوان المسلمين» حسن البنا مباشرة. وأُجّل هذا المشهد إلى الجزء الثاني «بعد الانتخابات أيضاً؟!».
الموت يجلب التعاطف في الدراما كما في الحياة، والتعاطف مع البنّا كان بديهياً بعدما عايشه المشاهد 28 يوماً، ورآه طفلاً، ثمّ قائداً يافعاً ذا قدرات استثنائية. ولو كان المسلسل مقتبساً عن كتاب «كفاحي» الذي كتبه أدولف هتلر، لوُجد من يتعاطف مع القائد النازي بعد ثلاثين يوماً من «العِشرة»! والخلاصة أنّ كل طرف في حكاية «الجماعة» يستعير دور الطرف الآخر، إذ اعترض «الإخوان» على المسلسل الذي أخرجه محمد ياسين، بحجّة أنه يسيء إليهم، وهم يعرفون ويدركون جيداً أنهم مستفيدون من عرضه، بينما منع التلفزيون الرسمي إعادة هذا العمل بحجج ملائكية من نوعية «عدم ضرب «الإخوان» قبيل انتخابات مجلس الشعب».
على كلّ، مهما كان حكم «محكمة عابدين للأمور المستعجلة» في الدعوى التي أقامها نجل حسن البنا، فإنّ الخبرات المتراكمة تؤكد صعوبة منع مسلسل عن طريق القضاء. لا بأس، التلفزيون الرسمي تكفّل بالأمر!