محمد خير

حتى بعد بلوغ الحلقات الأخيرة من «الجماعة» التي ركزت على إنشاء جهاز التنظيم الخاص، موضحةً دوره في التفجيرات والاغتيالات السياسية، فمجرد إنتاج المسلسل وعرضه للملايين هما أكبر ميزة حقّقتها جماعة الإخوان المسلمين منذ عقود، بعيداً عن دعاوى وتصريحات غاضبة أبدتها لذر الرماد في العيون. إذ يعلم كل خبراء الميديا أنّ احتلال المشهد الإعلامي سلباً أو إيجاباً يمثل 90% من مهمة الترويج.
وبينما عانت جماعة الإخوان ولا تزال من منع ذكرها في وسائل الإعلام الرسمية في مصر، وحتى وصف نوابها بلقب «نوّاب المحظورة»، ها هي مع مؤسسها يحتلان الشاشات المصرية (رسمية وخاصة) في ساعات الذروة الرمضانية، بإنتاج باذخ وتأليف أهم سيناريست مصري هو وحيد حامد، وبمخرج متميز هو محمد ياسين... فضلاً عن مخرجين مهمّين قيل إنّهم شاركوا في الإخراج من دون ذكر أسمائهم، كشريف عرفة، ومروان حامد، وتامر محسن. والأخير هو مخرج فيلم «اغتيال حسن البنا» (إنتاج «الجزيرة»). هكذا، مع سيناريو مشوق وصورة مميزة، تحولت ضبابية التاريخ الإخواني إلى أشخاص من لحم ودم، وشاهدت الملايين شخصية حسن البنا طفلاً فشاباً ثم ــــ مصحوباً بموسيقى تصويرية حماسية ــــ مؤسّساً لأخطر مجموعة سياسية مدنية في القرن العشرين، خرج من ثوبها كل ما يعرف اليوم بالإسلام السياسي، وحوّلت هوية المجتمع العربي إلى اللون المحافظ، بعد انكسار المشروع النهضوي.


بعدما عانت حظراً إعلامياً رسمياً، ها هي الجماعة تحتل الشاشات المصرية في ساعات الذروة


تحوّل المجتمع العربي إلى اليمين له أثر بارز في المسلسل، فما كشف عنه من دور للإخوان في التفجيرات التي طالت أحياء قاهرية في الأربعينيات، لن يضر بمشاعر جمهور وجد أن الجماعة ركزت على ضرب المنشآت اليهودية، ولو كانت مجرد محال تجارية. بعد 60 عاماً على النكبة، لم يعد كثيرون يتوقفون عند الفرق بين اليهودية والصهيونية. الواقع أن الجماعة ضربت المنشآت المدنية لإرهاب حكومة النقراشي، لكنّها اختارتها يهودية ليبدو ذلك جهاداً، وهي علامة أخرى على عبقرية البنا المؤسس.
هنا، لا يبدو مهماً متابعة الدعوى التي أقامها نجل البنا نفسه، لإيقاف المسلسل. قلة الأهمية ليس مبعثها أنّ الجلسة الأولى ستتم في 19 الشهر المقبل بعد انتهاء عرض المسلسل، بل لأن الدعوى التي تعترض على «الهجوم الشرس على الإمام حسن البنا ومحاولات تشويه صورة جماعة الإخوان» هي دعوى تقليدية أصبح «يحظى بها» كل مسلسل تاريخي يتناول إحدى شخصياتنا العربية المؤثرة.
ستتدرج الدعوى في جنبات المحاكم، وسيعرض المسلسل حتى تنتهي النهاية. وسيبقى أنّ أجيالاً جديدة ــــ لا تقرأ ــــ تعلمت الكثير لأول مرة عن جزء محوري في تاريخها، بغض النظر عن «حساسيات» راعاها المؤلف كي لا تعترضه الرقابة، ورسائل مررها تعبيراً عن رأيه الخاص، واعتراضات إخوانية قد لا تعبر حقاً عما في قلوبها. أما سياسياً، فسيمر وقت طويل حتى يتضح أي «جماعة» فازت من كل ذلك.