في أقل من شهر واحد، منع «شو صار؟» من العرض مرتين في بيروت. ما حكاية هذا الشريط الوثائقي الذي يستعيد إحدى مجازر الحرب الأهلية، من زاوية شخصيّة وحميمة، تختزل علاقة اللبنانيين الملتبسة والإشكاليّة بتاريخهم القريب؟


سناء الخوري
حين حمل ديغول عيد (1970) شريطه «شو صار؟» إلى بيروت، كان يخشى ألا يتمكّن من عرض باكورته الطويلة في بلده. إحساس السينمائي اللبناني المقيم في فرنسا كان في محلّه. خلال أقلّ من شهر واحد، منع «شو صار؟» من العرض مرتين. «المديريّة العامة للأمن العام» لم تمنح الوثائقي (75 دقيقة) إجازة عرض ضمن «مهرجان الفيلم اللبناني»، كذلك لم تعط لمهرجان «أيام بيروت السينمائية» الإذن بإدراجه على برنامج فعالياته التي تنطلق قريباً.
السينمائي الأربعيني كان قد ترك العاصمة اللبنانية عام 1990، لدراسة الفن السابع في «جامعة آكس ـــــ أن ـــــ بروفانس» (جنوب فرنسا). استهلَّ مسيرته المهنيّة مساعداً للسينمائي الفرنسي جان دانيال بوليه، ثمّ عمل مع الراحل يوسف شاهين، إضافةً إلى إنجازه أفلامه الخاصة. مسيرته الغنيّة لم تكن كافية لينال فيلمه إذْنَ العبور إلى المهرجانات اللبنانيّة، رغم مشاركته في مهرجانات دوليّة مختلفة، والاستعداد لعرضه تجارياً في الصالات الفرنسيّة.
في شريطه الوثائقي الطويل هذا، يروي عيد ببرودة السينمائي المحترف، مأساة عائلته. يخبرنا عن قريته عدبل في عكار (شمال لبنان)، حيث وقعت مجزرة تشبه في خطوطها العامة المجازر التي طالت الجميع في لبنان، خلال سنوات الاقتتال والتهجير.
في ليلة واحدة، قُتل والد ديغول ووالدته وأخته على مرأى منه، وكذلك 10 أفراد آخرين من عائلته. بعد سنوات الألم السرّي، قرر أن يحمل عيد كاميراه، ويخوض رحلة استقصائيّة استراجعيّة، لمعرفة ما الذي حدث قبل ثلاثين عاماً. «الفيلم لا يدخل في معادلة من قتل من؟ ولماذا فعل ذلك؟». السينمائي الهادئ رغم غضبه الدفين، يعبّر عن أن شريطه الوثائقي «محاولة لمواجهة صريحة مع الذاكرة اللبنانيّة». برأيه: «القضيّة أكبر من مسألة مجزرة واحدة، إنّها تطال تاريخ البلد بأسره».
«شو صار؟» إنتاج مشترك بين المخرج اللبناني والسينمائي الفلسطيني رشيد مشهراوي، وGrenade Productions الفرنسيّة. يستند العمل إلى بنية متماسكة، ويقترب أسلوبه من «سينما الحقيقة». ديغول عيد في شريطه هو المخرج والمؤلف والشخصية الرئيسية. نرافقه في رحلة العودة من جزيرة كورسيكا الفرنسية حيث يقيم مع زوجته وابنته إلى بيروت. نتجوّل معه في العاصمة اللبنانية بين منازل أقاربه، وننتقل منها إلى أزقة قريته الشماليّة. لا يقع الشريط في فخ المبالغات الوجدانيّة أو الوعظ، ولا ينحى إلى نمط تسجيليّ رتيب. في إطار درامي تصاعدي، يتتبع عيد خيطه الأحمر بكثير من الدقّة: «ما الذي حصل في غروب 9 كانون الأول (ديسمبر) 1980؟». هكذا، تدخل الكاميرا في نفق لتخرج من آخر. من نفق القطار في كورسيكا، في الجزء الأول من الفيلم، ننتقل مع ديغول إلى حفلة عائليّة مع أصدقاء في الجزيرة المتوسطية. نستمع إلى أغنية كورسيكيّة تراجيديّة، تحكي عن طفل أضاع شمس طفولته وسط نيران الحرب.
تأخذنا الكاميرا إلى نفق آخر يفضي إلى بيروت. تتوالى الشخصيات أمام عدسته: أخته، وأولاد عمومته، وعمّه... جميعهم وجدوا وسيلة لنسيان ما مضى، وأتت الكاميرا لتخلخل تأقلمهم المصطنع مع مفاعيل العفو العام (كآلاف العائلات اللبنانية من مختلف الانتماءات). تتعقد الحكاية هنا: هل المجزرة كانت نتيجة خلاف «عشائري» عتيق بين آل دياب وآل عيد؟ أم أنّ المسؤول في «الحزب السوري القومي الاجتماعي» خليل د. انتقم من الشخص المتّهم بقتل أخويه، وهو إميل ع. المسؤول في «حزب الكتائب»، من خلال إرسال مسلحين لتصفية أقاربه؟ المؤكد أنّ الفيلم البعيد عن النبرة التحريضيّة، لا يخلو من محاكمة الطرفين.
في البداية، يصوّر إميل ع. كأنّه مارلون براندو في فيلم «العراب». تبدو الكاميرا كأنها تدينه وهو يحاجج في أنّ المجزرة كانت لها تبعات «إيجابية» على من قُتل آباؤهم، لأنّها «أتاحت لهم الخروج من فضاء القرية الضيق!». في المقابل، يركز الشريط على بشاعة المجزرة، من خلال ذكريات من شهدوها: صور دماء، وقتل عشوائي، ودموع، تتسرب من بينها الأسماء الكاملة لبعض المسلحين. منسوب من الحقيقة الجارحة أخاف الرقيب اللبناني الساهر على توازنات النسيان والصمت.
يبلغ العمل ذروته حين يذهب ديغول عيد إلى مدافن العائلة، ويدخل بيته المهجور، ويجول في أزقة قريته العكارية. هناك يصادف قاتل أمّه فيبادره القول: «أتذكرني؟ أنا أذكرك جيداً. أنت من قتلت أمي». لحظات طويلة يدخل العجوز في حالة من الذهول والصمت... تركّز الكاميرا عليه لدقائق تبدو كأنّها دهر.
«شو صار؟» ليس مجرّد تجربة ذاتية، ورحلة للشفاء من ماضٍ جريح. فيلم ديغول عيد لا يندرج في خانة الوقوف على الأطلال، أو فتح الدفاتر القديمة... إنّه مثال نموذجي عن قدرة السينما على تشريح الواقع.