تجتاح التماسيح وسلاحف النينجا بيروت. برغم ذلك «إنها الحقيقة لا خيال علمي»، يخبرنا سائق السرفيس في «بيروت باي باي» (Plan BEY) لبرّاق ريما. اليوم، يوقّع الفنان اللبناني قصّته المصوّرة الجديدة (باللغة الفرنسية) في فضاء «مكان» (مار مخايل ــ بيروت)، بالتزامن مع افتتاح معرض بطاقات، وملصقات، وجداريات كبيرة هي عبارة عن أعمال قديمة له أنجزت طباعتها Plan BEY.


حتى 13 أيلول (سبتمبر)، يستمر المعرض الذي يضم شرائط مصوّرة نشر بعضها في «السمندل» مثل «واجهة المصور»، بالتعاون مع «المؤسسة العربية للصورة»، و«قيلولة بعض الظهر» (قيد الإنجاز)، و«صور عائلية» التي نشرها فوق صفحات «الأخبار» في زاوية بعنوان «سوسيولوجيا»، و«تاكسي تاكسي» من كتاب «اتجاه مزدوج». هكذا، تضرب لنا «بلان بي» موعداً للتعرف أكثر إلى عوالم الفنان اللبناني الذي أعادته مجلة «السمندل» إلى الكوميكس بعدما توقف عنها لفترة، مشغولاً بالسينما. الكولاج والمواد المختلفة والحبر وسائط لجأ إليها ريما، مبتعداً عن الأسلوب الواحد في إنجاز شرائطه المصورة. أما المعرض، فيظهر أيضاً جوانب مختلفة من الفنان، مثل رسومه على دفاتره الخاصة، وأخرى من رسوم تضمنتها رواية «ليمبو بيروت» لهلال شومان. هكذا تولّت دار «بلان بي» طباعة الملطقات على أنواع ورق مختلفة منه الفاخرة المهيأة للعرض في المتاحف وتلك المصنوعة للمنازل، محولة الشرائط المصورة والرسوم العفوية والخاصة إلى أعمال فنية مستقلة.
في عام 1995، أنجز برّاق ريما كتابه «بيروت» كمشروع تخرّج من «أكاديمية الفنون الجميلة في بروكسل» في بلجيكا بطبعة خاصّة، لتعيد دار Plan BEY طباعته مجدداً في لبنان عام 2013. «فترة التسعينيات، كانت مليئة بالأحلام» يقول ريما. الفنان اللبناني (1972) الذي يقيم في بروكسل حالياً، ينتمي إلى جيل ما بعد الحرب... زمن التوق والأحلام والآمال، قبل أن تدفنها الشركات العقارية والسوق الربحية. عقد من الزمن، كان كافياً لأن يجهز على كل الآمال. ولكي تغرق الطريق بالنفايات، ويُردم البحر، وتخطف الدالية من أهلها، ولتجتاح المسوخ المدينة. الكوابيس حاضرة أكثر من أي وقت مضى، وهي التي تسكن رأس براق. في «بيروت باي باي» يزور براق ريما بيروت، برفقة زوجته وابنته. التاريخ: كانون الثاني (يناير) 2016. باللغة الفرنسية نتابع حوارات العائلة. يبدو براق خائفاً ومستعجلاً منذ البداية. المنطقة التي كانت ركاماً أمام كنيسة في وسط بيروت في كتاب «بيروت»، صارت عمارات عالية في «بيروت باي باي»، وهو للمفارقة المشهد الأول الذي تنطلق منه القصتان. «المدينة ذات طابع خليجي» كتبت لافتة باللغة العربية، أمام مشاريع عمرانية آلات ضخمة. برغم الإشارات المنذرة بالخطر، تنطلق العائلة بمشاويرها. يلجأ ريما إلى السخرية في الحوارات للنيل من مدينة لم تعد تشبه نفسها.


لجأ إلى الكولاج والحبر والمواد المختلفة في إنجاز الشرائط المصوّرة
يكاد الرصيف لا يتسع حتى لقدم واحدة. والبحر، لا يُرى عن قرب، بسبب الهياكل الإسمنتية. تبدو المشاهد واقعية في البداية: صخرة الروشة والأسلاك الشائكة والمناطق الأمنية الخاصة. يحدث ذلك قبل أن تطالعنا مجموعة من التماسيح. وإذ لا تنفصل القصّة عن اللحظة اللبنانية والعربية الراهنة، يطعّمها ببعض العناصر والكائنات الخيالية، المنفصلة عن السياق الطبيعي للمدينة. يحيلنا ريما إلى رمزيات بصريّة متعدّدة لكنها تعود وتصب مجدداً في واقع بيروت والخطر الذي يتربّص بها. التماسيح التي لا تشبه الناس، وتطردهم من شوارع اعتادوا أن يمشوا عليها هي جدار آخر من جدران المدينة، التي لا تتوانى عن النمو ولو افتراضياً، في وجه العائلة الآتية للسياحة. منذ بداية قصّته المكثّفة، يتّخذ ريما منحى قلقاً وقاتماً، يفرض اللون الأسود على معظم القصة. الفسحات الضوئية، التي كانت لا تزال تملك دافعاً للظهور في «بيروت» (1995) تكاد تختفي كلياً في كتابة الجديد. تخترق كائنات دينية ترتدي أثواباً سوداء طويلة السماء الداكنة أصلاً، فيما تقابلها في الأسفل بنايات تحمل السواد نفسه، مطلقة عبارة «هذه المدينة هي تابوت الحريات». حتى إنه يجازف في خياراته الفنية إلى الأقصى على الورق. هكذا يفرد صفحتين كاملتين لتدرجات الأسود والرمادي مستخدماً الكولاج والحبر لرسم مشهد أقرب إلى الحروب الصليبية، حيث يحرق بعض الأشخاص كتباً، بينها مجلة “السمندل”، أمام سيارة تحمل عبارة «عصر الجاهلية». بين الواقع والخيال العلمي، يتخذ براق موقفاً مدينياً واقتصادياً وبيئياً وفكرياً وجمالياً واضحاً من بيروت. الرحلة ليست سليمة، ولن تكون كذلك حتى في الطريق إلى المطار. تمر العائلة عبر نفايات مطمر الناعمة لتصل إلى أول طائرة تنقذها من كل هذا الجنون. «بيروت لن تركع» هذه الجملة هي حلم كتب على جدار في قصة «بيروت». بعد 10 سنوات، يكتب براق ريما «ركعت وخلصت» على عربة يجرها رجل، يجسّد ذاكرة المدينة في قصصه، رُمي به في النفايات.

* توقيع «بيروت باي باي» لبراق ريما: عند السادسة من مساء اليوم ــ «مكان» (مار مخايل ـ ـبيروت).

* يستمر المعرض حتى 13 أيلول (سبتمبر). للاستعلام: 70/954057