مرة جديدة تطّل علينا شركة الإعلانات الشهيرة في حملة ترويجية كبيرة تهدف إلى «تحسين صورة المسلمين في العالم». ورغم أن بصمات الشركة واضحة على الحملة، إلا أنها تصرّ على التبرّؤ منها


ليال حداد
«كوانتم كومينيكيشنز» تضرب من جديد! بعد حملاتها الترويجية لـ«حب الحياة»، و«ثورة الأرز»، و«محور الخير»، اختارت شركة الإعلانات الشهيرة توسيع هامش تحرّكها ليشمل... «مكافحة الإرهاب». الحملة الجديدة ليست الأولى من نوعها. سبقتها مجموعة إعلانات صممتها «كوانتم» قبل أكثر من ثلاث سنوات احتلّت الفضائيات العربية ــــ الخليجية منها خاصة ــــ وكان شعارها يوم ذاك «الإرهاب... لا دين له». وترافقت الحملة الإعلانية المكثّفة، مع إطلاق موقع إلكتروني www.noterror.info عرضت فيه الشركة لكل حملاتها «المناهضة للإرهاب». وفي وقت رأى كثيرون أن الحملة ناجحة ومؤثّرة، وخصوصاً في ظلّ ارتفاع ضحايا الاقتتال الداخلي في العراق، رأى بعضهم الآخر أن الحملة تثير تساؤلات عدة. الجهة التي تقف خلفها ظلّت مجهولة: هل هي وزارة الداخلية العراقية؟ أم وزارة الخارجية الأميركية؟ أم جهة ثالثة؟ ولم تجد هذه الأسئلة جواباً شافياً. حصّنت الحملة نفسها بسرية تامة، فلم تعرّف عن نفسها على الموقع الإلكتروني، كما هي عادة كل المواقع، بل اكتفت بنشر «رسالتها» وهي «أن يرى الناس الأمور على حقيقتها فيرفضون الكذب والافتراء والظلم والقتل... وأن نبيّن للآخرين صورة الإسلام الحقيقية».
ولا يبدو الحفاظ على خصوصية «الزبون» جديدة على «كوانتم»، فهي الشركة نفسها التي صمّمت الحملات الانتخابية لفريق 14 آذار اللبناني، وخصوصاً حملة «بإيدك الحرية... بصوتك الاستقلال» من دون أن تعلن عن الجهة التي تقف خلفها، ليتضّح لاحقاً أن الأمانة العامة لهذا الفريق، وخصوصاً النائب السابق فارس سعيد، هي صاحبة الحملة.
هكذا، يبدو أن «الإرهاب لا دين له» أخذت على عاتقها تحسين صورة الإسلام في العالم، ولكن طبعاً من دون تعريف مصطلح «الإرهاب»: هل هو قتل الأبرياء؟ هل هي الفتنة الداخلية؟ أم مقاومة الاحتلال الأميركي؟ هنا أيضاً لا يجد الباحث عن جواب ضالّته، بل إن الأجوبة مفتوحة على كل الاحتمالات.
مرّت سنوات على الحملة، قبل أن يكتشف متصفّحو الإنترنت الشهر الماضي موقعَين جديدَين يدوران في الفلك نفسه، وهما saynototerror.me و myislamis.me. الموقعان الجديدان مرتبطان مباشرة، لجهة الغرافيكس والهدف. يبدو واضحاً أن هذين الموقعَين أيضاً يهدفان إلى «تحسين صورة الإسلام في العالم الغربي». وكما هي الحال مع حملة «الإرهاب لا دين له»، يصعب على الباحث أن يجد الجهة التي تقف خلف الموقعَين. وإن كان مدير «كوانتم» إيلي فواز قد أكّد لـ«الأخبار» أن الشركة هي التي نفّذت الحملة الأولى، فإنّه عاد لينفي أن يكون لـ«كوانتم» أي علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالموقعَين الجديدَين. ويبدو هذا التصريح مستغرباً، وخصوصاً أن موقع www.noterror.info الذي صمّمته الشركة يبدو مطابقاً كثيراً مع موقع saynototerror.info الجديد. يحتوي الموقعَان على الحملات الإعلانية نفسها (حملة المهرّج، حملة الدمية التي تبكي)، وعلى التصميم الغرافيكي المتقارب إلى حد كبير، وخصوصاً لجهة التبويب. كما أن قاسماً مشتركاً آخر يجمع بينهما هو اجتزاء الآيات القرآنية، واستخدامها لدغدغة مشاعر المسلمين حول العالم.
لكنّ تعديلات عدة أدخلت على الموقع الجديد، فطُرحت استفتاءات حول «طريقة تصرّفك إذا علمت أن صديقك يحضّر لعمل ضال»! كما أنّ الموقع توسّع ليؤسس لمجموعة على «فايسبوك»، وقناة خاصة على «يوتيوب»، ومدوّنة يكتب فيها المواطنون ما يحلو لهم من تعليقات مثل «هناك سبل دبلوماسية لحلّ الخلافات... علينا نبذ العنف».


يتحدّث إيلي فواز عن ضرورة تطابق الخيارات السياسية لشركة الإعلانات، مع الحملات التي تصمّمها

قد يرى بعضهم أنّه سواء كانت «كوانتم» قدّ صممت الموقعَين الجديدَين أم لا، فإنها تبقى خارج دائرة الاتهام السياسي، بما أنها مجرّد شركة إعلانات، تنفّذ حملات إعلانية لعدد كبير من الشركات والمؤسسات الرسمية والسياسية في مختلف أنحاء العالم. ولكن لحظة، يبدو الوضع هنا مختلفاً. شركة «كوانتم» تحديداً تعرّف عن نفسها بصفتها شركة «استشارية سياسية» أولاً، كما أن إيلي فواز نفسه أكّد لـ«الأخبار» ضرورة تطابق الخيارات السياسية لشركة الإعلانات، مع الحملات التي تصمّمها لكي «يكون العمل مبدعاً». كما أنّ شركة «كوانتم» التي أعلنت في آذار (مارس) الماضي عن شراكتها النهائية مع شركة «ساتشي أند ساتشي» تحت اسم M&C Saatchi Middle East & North Africa برئاسة إيلي خوري ــــــــ حاولنا الاتصال به مراراً لكن من دون جدوى ــــــــ تضمّ في صفوفها مجموعة من الناشطين في «منظمة نهضة لبنان Lebanon Renaissance Foundation» (يرأسها أيضاً إيلي خوري، ويعتبر إيلي فواز من أبرز الناشطين فيها). وقد أخذت المنظمة الجديدة على عاتقها تنظيم سلسلة ندوات في الولايات المتحدة للبحث في العلاقات اللبنانية ــــ الأميركية. وهي الندوات التي دعا فيها مسؤولون أميركيون (بينهم السفير الأميركي السابق في إسرائيل مارتن إنديك) لنبذ العنف في الشرق الأوسط وبدء المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، ولبنان وإسرائيل.


اللعب على... العواطف

استطاعت حملة «الإرهاب لا دين له» ثمّ «قل لا للإرهاب» جذب عدد كبير من المسلمين. وقد اختار المسؤولون عن الحملتَين اللعب على الوتر العاطفي، من خلال تصوير دمى الأطفال وهي ممزقة، أو عرض صور لعائلة عراقية سعيدة تكتشف فجأة أن أحد أبنائها يحضّر لتفجير نفسه. طبعاً لا تتطرّق الحملات إلى مآسي العراقيين التي سبّبها الاحتلال الأميركي منذ غزوه بلاد الرافدَين. الإرهاب واحد متمثّل بالتطرّف الذي يقتل المدنيين. ولكن يبدو أنّ هذه الحملات لم تقنع كثيرين. بل خرجت أصوات عدة تؤكّد أن الحملة أميركية بامتياز «أميركا تخترع الإرهابيين ثمّ تبتكر حملات لمحاربتهم، عجبي!» كتب أحد العراقيين على موقع «فايسبوك».