رقد الطفل إيلان كردي (3 سنوات) في سباته الأخير. شاهد العالم صورة الطفل السوري الهارب من جحيم المعارك في كوباني مع عائلته (نجا والده فقط من هذه التجربة القاتلة) التي لفظها البحر على الشواطئ التركية إبان محاولةٍ للوصول من «بدروم» في تركيا إلى جزيرة «كوس» اليونانية.


الصور التي أوردتها وكالة «دوغان» التركية لم تشعل وسائل التواصل في العالم الافتراضي فحسب، بل شكلت صفعة على وجه الانسانية وهزّت ضمير العالم. هذا التحوّل تلمّسناه في عناوين ومقالات الإعلام الغربي. عنونت جريدة La Repubblica الإيطالية «صورة لتجعل العالم يصمت». وبينما تشاءمت فصلية El Periódico الإسبانية قائلةً «إنها نهاية أوروبا»، غاصت الـ «اندبندنت» أكثر قائلة: «ماذا لو لم تغيّر صورة الطفل الذي لفظته الأمواج على الشاطئ موقف المفوضية الأوروبية تجاه اللاجئين؟». وكانت الصحيفة نشرت صورة الطفل على غلافها مع تعليق وجيز لكن مؤثر هو «طفل أحدهم». بدورها، عنونت «فوكس نيوز» بأن «هذه الصور تظهر فداحة حجم أزمة اللاجئين في أوروبا». إذا صورة واحدة تعيد إلى الواجهة كل الأسئلة اليومية بخصوص قضية شديدة الإلحاح: ماذا نفعل بهؤلاء «المهاجرين»؟ هل هم «مهاجرون» أم لاجئون؟ وما هي حلول «الاستيعاب/ الاستضافة» التي يجب علينا أن نفتحها؟
باتت الأزمة إذاً على أعتاب القارة العجوز، وأي محاولةٍ للدوران حول الحل باتت أقرب إلى الخيال. عنوان «تايمز» البريطانية في افتتاحيتها «بأن الأزمة تشلّ أوروبا» وبأن «القارة منقسمة على نفسها تجاه اللاجئين»، يعني أن الموضوع لم يعد مجرد كلامٍ في الهواء، أو حديث مجرد في السياسة. إنها أزمةٌ تهدد بكسر اتحاد القارة، إن لم يتم اللجوء إلى حلٍ جذري وعملاني لأزمةٍ مستجدة. بعد المرحلة الأولى من التعامل مع «الحدث» المهاجر على أساس أنّه «احتلال» و»غزو من الغرباء» ويهدف إلى «احداث شرخ في المجتمع»، تغير الخطاب، وبات الأمر كناية عن أزمة إنسانية كبيرة، وعلى الجميع الوقوف صفاً واحداً –وخصوصاً في أوروبا- لإيجاد حلٍ جدي لها.
أعادت مأساة ايلان كردي بشكلٍ أو بآخر الفيديو الشهير الذي ظهرت فيه المستشارة الألمانية (الأقوى أوروبيا حالياً) وهي «تُبْكي» طفلةً مهاجرة كانت تسألها عن السبب الذي يدفع ألمانيا إلى إعادتها مع أهلها إلى المكان الذي هربت منه، لتخبرها «سيدة ألمانيا الحديدية» (بكل قسوة) بأنهم «مهاجرون وبأنه لا مكان لهم في ألمانيا» (الأخبار 20/7/2015). ردة الفعل «الصلفة» هذه من ميركل هي لسان حال أغلب الزعماء الأوروبيين. هم يتعاملون مع المهاجرين على أساس أنهم «عالةٌ» مدّعين أنّهم مهاجرون، لا «لاجئين» هاربين من ويلات حروب وموتٍ وفظائع تحدث يومياً في بلادهم. هذا ذاته ما قاله رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بحسب صحيفة «إندبندنت». عند سؤاله عن صورة الطفل الغريق والمطلوب من بريطانيا فعله تجاه قضية «اللاجئين»، أجاب: «نحن نفعل المطلوب». أما رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، فقد اعتبر اللاجئين سابقاً بأنّهم «خطرٌ يهدد الوجود الأوروبي». وفي مقالٍ مطولٍ على «bbc» البريطانية؛ حاول الكاتب شرح طبيعة المشكلة التي يقع فيها المشرّع الأوروبي، فقوانين دبلن (اتفاقية دبلن للاجئين ضمن الاتحاد الأوروبي) لم تعد اليونان قادرةً على تحملها مثلاً لأن الغالبية العظمى من اللاجئين يأتون إليها في البداية، وهي لا تود أن يعودوا إليها في حال رفضت طلبات لجوئهم إذا ما قدمت في دولٍ أخرى. ألمانيا من جهتها باتت تقبل طلبات اللجوء السورية وهو ما تفعله فنلندا هي الأخرى أيضاً، لكن ذلك لا يكفي حتى اللحظة، أي أن اللاجئين هؤلاء يواجهون مشكلة أنهم لا يستطيعون العودة لا إلى اليونان التي قدموا إليها طلب لجوئهم، وبالتأكيد ليس إلى دولهم الغارقة في ويلات الحروب.
وبحسب صحيفة «لوس أنجلوس تايمز»، يحاول أكثر من 2000 شخص يومياً العبور من تركيا إلى إحدى الجزر اليونانية، بينما يسعى آلافٌ غيرهم لعبور البحر المتوسط باتجاه أوروبا كذلك من شمال أفريقيا. وهذا الكلام أكده كيرك داي من (منظمة الإنقاذ العالمية) الذي أوضح بأن هناك أكثر من 200 ألف لاجئ سوري سيحاولون العبور إلى أوروبا خلال الأشهر المقبلة هرباً من بلادهم بحسب NY Daily News. هذا العدد الآخذ في الازدياد يظهر أن الأزمة آخذة بالتصاعد، فالمشكلة التي يقع فيها الأوروبيون حالياً ليست أزمةً «سياسية/ اقتصادية» فقط وفق ما تظهر ميركل وسواها، بل هي أزمة «أخلاقية/ انسانية» بشكلٍ أو بآخر بحسب صحيفة «دايلي ميل» البريطانية. تورد الصحيفة نقلاً عن الموظف رفيع المستوى في الأمم المتحدة فيليب دوست بلازي بأن «هذه الصورة أعطت قادة أوروبا تنبيهاً واضحاً، فحديثهم عن «سياسة الغزو» و»الهجرة الجماعية» خلق مزاجاً عاماً من الخوف والعداء للغريب، والوطنية الزائفة. على هؤلاء السياسيين أن يكونوا حذرين للغاية، فشعب أوروبا إنساني وشريف أكثر مما يعتقدون، ولن يعجبه أبداً أن يستخدم بهذه الطريقة السياسية الرخيصة». وجاءت مقاربة Business Insider التي لا تهتم عادةً بالقضايا السياسية المباشرة إلا بمقدار اقترابها من الاقتصاد صادمةً حينما أشارت إلى أنَّ مأساة الطفل السوري تفضح «فشل» و»عجز» الساسة في العالم وتقصيرهم تجاه ما يحدث في سوريا، مشيرة إلى أنّ سوريا اليوم هي أكبر «مصدر للاجئين في العالم بـ3 ملايين لاجئ يتوزع غالبيتهم بين تركيا ولبنان». ويوضح المقال حالة مقدونيا كمثال عن العلاقة مع «اللاجئين».


تغير الخطاب وبات يركز أكثر في كون الأمر أزمة إنسانية بحت


بعد المشكلة الكبرى التي وقعت بين الشرطة المقدونية ولاجئين سوريين، أغلقت مقدونيا الحدود ومنعت استقبال أي لاجئ سوري وأعلنت الطوارئ. أما صربيا، فقد أقامت سياجاً شائكاً على حدودها منعاً لأي محاولات تهريب للاجئين. وكانت الصحافية كايتي هوبكنز من Sun البريطانية، قارنت قبل أشهر هؤلاء اللاجئين بالصراصير (الأخبار 20/4/2015)، معنونة: «أنا لن أستعمل قوارب إنقاذ لهؤلاء، أنا أفضل استعمال البنادق». لم تلق هذه العنصرية بالتأكيد ردة فعلٍ «مؤيدة» داخل بريطانيا، بل جاءت ردة الفعل معاكسةً. قامت إيفيت كوبر وهي عضو في البرلمان الإنكليزي عن حزب العمال باقتراح إمكانية استقبال أكثر من 10 آلاف لاجئ يحتاجون للاحتضان، بعدما كانت «واشنطن بوست» قد عنونت – مسبقاً- في احدى افتتاحياتها بأن بريطانيا قد استقبلت لاجئين سوريين يمكن وضعهم جميعاً في «قطار أنفاق» (Subway train) في إشارة للعدد القليل للغاية. ورغم هذا العنوان «الصادم»، فإن الولايات المتحدة ذاتها لم تستقبل حتى اللحظة أكثر من 1000 لاجئ سوري على أراضيها. وكانت أزمة «التمييز بين «لاجئ» و»مهاجر» ما زالت تحدث ضجةً كبيرة داخل الوسط الأوروبي، فكتبت نهلة عياد في CBC News الكندية بأن غالبية من يطلبون اللجوء هم «هاربون» من شيءٍ ما في بلادهم، ولو استطاعوا البقاء لبقوا هناك، وهم بالتأكيد ليسوا «مهاجرين».
لكن يبدو أن بصيص الأمل الذي تركته «التضحية الكبرى» التي قدمها الطفل الشهيد إيلان كردي موجود. نشرت أكثر من وسيلة إعلامٍ عالمية طريقة الاستقبال التي قام بها مواطنون ألمان للاجئين سوريين أتوا بالقطار إلى ميونخ. إذ قدموا لهم الملبس والمأكل والمساعدات العينية من دون انتظار مساعدات حكومية. من جهتها، قامت سلوفاكيا وجمهورية التشيك وبولندا بفتح حدودها لآلاف من اللاجئين السوريين (وإن كانوا بغالبيتهم من المسيحيين المهجرين من مناطق حكم «داعش»). أما آيسلندا وهي دولة صغيرة نسبياً (يسكنها 200 الف شخص فقط)، فقد قام أكثر من 11 ألف مواطن آيسلندي (بحسب «إندبندنت» البريطانية) بالإشارة إلى استعدادهم التام لاستقبال لاجئين سوريين في منازلهم لحل مشكلة اللجوء هذه. وبحسب الظاهر، يبدو أنّ حراكاتٍ شعبيةٍ واسعة بدأت بالفعل تحدث داخل المجتمع والصحافة الأوروبيين تجاه هذه القضية الإنسانية البحت، ما دفع بالمستشارة الألمانية ميركل إلى «تغيير» نمط حديثها في القضية عموماً بقولها: «إن لم نستطع مساعدة المحتاجين، فإن هذه ليست أوروبا التي نريدها».



«تنابل» الخليج

عبر مقال نشرته على موقعها، طرحت BBC أمس تساؤلاً حول سبب عدم ذهاب هؤلاء المهاجرين إلى الدول الخليجية الأكثر غنى مثلاً بدلاً من رحلتهم "شديدة التعقيد" وعبر البحر إلى بلدانٍ أوروبية؟ جاءت الإجابة بوضوح بأنّ هذه الدول لا تعطي نهائياً أذوناً للسوريين بدخول أراضيها.
ويورد المقال صورةً كاريكاتورية تظهر رجلاً خليجياً يغلق بابه طالباً من الأوروبيين (الباب المجاور له) أن يفتحوا لللاجئين واصفاً إياهم بقليلي المروءة لأنهم لا يفتحون! في المقابل، نشرت صحيفة «اندبندنت» عريضة كي يوقعها القراء وترمي إلى استقبال اللاجئين.