لا شك في أنّ تغطية اقتحام وزارة البيئة من قبل حملة «طلعت ريحتكم» أول من أمس، أفرزت مشهداً إعلامياً جديداً. بات مؤكداً أنّ لـ»الثورة» وكلاءها الإعلاميين الحصريين هما lbci و»الجديد» اللتان تتوليان مواكبة الحراك الشعبي ليل نهار، مع فتح دائم للهواء وافتراش ساحة «الشهداء» كبديل لاستديوات برامج «التوك الشو» الصباحية (المعتادة) والمسائية (المستجدة). تغطية المحطتين وأداؤهما طوال الفترة المنصرمة المواكبة للحراك والبحث عن صناعة حدث يفوق الحدث الميداني أحياناً، كانا مثار شك وتساؤل.


شكوك أكدتها أخيراً تغطية «اللعازارية» التي أظهرت وجود تنسيق بين المعتصمين ومراسلي المحطتين (رامز القاضي وفتون رعد) اللذين دخلا معهم إلى وزارة البيئة. النتيجة أنّ المشهد كان محتكراً لهما من داخل رواق الوزارة مكان وجود المعتصمين. بدأ بث «الجديد» عبر السكايب، وتحديداً من هاتف القاضي ليصار بعده الى النقل الحيّ بالكاميرا. المضحك هنا أن هذه الكاميرا حُملت الى الطبقة الثامنة عبر حبل لتكتمل عدة البث المباشر. بقي المشهد فوق حصرياً، فيما منعت باقي وسائل الإعلام من الصعود الى الطبقة الثامنة؛ منها: «المنار» و»الميادين» وإذاعة «صوت لبنان» وotv وغيرها من القنوات.


منعت «المنار» و «الميادين» وإذاعة «صوت لبنان» وotv من دخول الوزارة
يروي عباس صباغ، مراسل «الميادين»، في اتصال مع «الأخبار» كيف مُنع مع المصور من الصعود الى أرض الحدث، منتقداً طريقة تعامل رجال الأمن معه الى حدّ التصادم وانتزاع سماعات أذنه التي تشكّل صلة الوصل بينه وبين زملائه في الاستديو. تعالى احتجاج الإعلاميين أكثر عندما خرق صفوفهم الإعلامي في lbci جو معلوف الذي دخل المبنى برفقة ضابط أمن على مرأى الجميع وصعد الى مكاتب الوزارة. هنا حاول الأمن ــ بحسب صباغ ــ تبرير هذا التصرف بالقول إنّ معلوف هو ضمن الطاقم الأمني، لكنه لم يعَ أنّ الأخير وجه معروف جداً على الشاشة الصغيرة. والمعلوم أن إذاعة «جرس سكوب» التابعة لمعلوف كانت تبث لحظة بلحظة من داخل المبنى كحال المحطتين المذكورتين.
حراجة الموقف هنا، بأن تُعامل وسائل الإعلام على أساس «ناس بسمنة وناس بزيت» وتمنع من نقل صورة قد تراها مختلفة. هذا الأمر فتح الباب أمام تساؤلات عدة وأحالنا الى الإعلام الحزبي الأوحد الذي يحتكر صناعة الخبر والصورة وينشرهما الى الرأي العام. إعلام يحتكر الساحة ويمنع أي صورة مغايرة من الظهور. تغطية اقتحام الوزارة خلّفت سرديات عدة قوامها المبالغة العمياء في النقل والاستعراض والسطحية وإثارة البكائيات على حال المعتصمين ومعهم المراسلون أيضاً. اختلطت المعايير بين المراسل الناقل للحدث وبين المتماهي تماماً مع المتظاهرين. وهذا يحيلنا أوتوماتيكياً الى صناعة أخرى تتخطى نجومية المراسلين/ات لتضحي أسطرة خيالية لهم وتصويرهم بهيئة البطل الذي لا يقهر. هذه الصناعة تقابلها صناعة أخرى وراء الكاميرا تتولى صنع المشهد النهائي الذي نراه على الشاشات، كطلب إحدى مراسلات المحطتين المذكورتين من أحد المتظاهرين تحضير نفسه لرمي الحجارة على السياج الفاصل في رياض الصلح بين المتظاهرين والسرايا، بغية التقاط صورة «ثورية» له على الهواء وإعطاء الميدان طابعه الحيوي الاحتجاجي ولو كان مصطنعاً!