«نحن أصحاب الجريمة، نحن أهل الحرب». تلك الجملة الواردة في برنامج عرض «مسرح المعركة» لا تنطبق فقط على أعضاء هذا العمل، بل تطاول كل مشاهد كان في «مسرح المدينة» أو سيتسنى له مشاهدة هذا العرض. تنحو «فرقة زقاق» اليوم نحو مشهدية أكثر تطرفاً، وقد يكون وقعها أكثر عنفاً على المشاهد. الأمر أقرب إلى جلد الذات: الممثل يجلد ذاته على الخشبة لإعادة تمثيل الجريمة الكونية ويسائل فعله المسرحي (بات أحد أركان أعمال «زقاق» الأخيرة أن يسائل الممثل ماذا يفعل على الخشبة).


ينعكس ذلك مضاعفاً على المشاهد، إذ يقف أمام مشهدية جسدية طقسية عنيفة تتأتى من عناصر يعايش صورتها كل يوم. يعيش تجربة جلد الصورة وجلد عينيه بامتياز. كم صورة وصورة تتسرب إلى عيوننا وعقولنا وأرواحنا كل يوم عن طفل أو عائلة غرقت في عرض البحر؟
«مسرح المعركة» ينقل لنا هذا المشهد الذي يبقى واحداً وإن تأتى في صور متعددة: كرة أرضية تدور وتدور منذ الأزل على وقع ثنائية الجلاد والضحية، القائد والجماهير، القاهر والمقهور، الرجل المحارب والمرأة التي تنتظر لحظات الفقد، البحر واليابسة. هنا يبدأ فضاء العرض. بقعة رملية أشبه بجزيرة نائية تتسع لشخصين فقط واضحة الملامح والحدود. يحيطه رسم خطوط متعرجة بيضاء غير مكتملة. الفضاء الثاني يتمثل في الفضاء المائي (مجموعة سطول حديدية ملأى بالماء). بين هذين الفضاءين، يكمن الفراغ. قبل أن تخفت إضاءة «مسرح المدينة» كي يبدأ العرض، كان هنالك من يهندس (جوزيف قاعي) اليابسة ويحرص على رسم الخطوط البيضاء بتأنٍّ. تأكد أن كل شيء على ما يرام، نظر إلى البجعة المطاطية البيضاء الضخمة، وضع رأسه عليها وتمدد على اليابسة. على الرمال بكامل طمأنينته. تلك الطمأنينة التي يشعر بها مشاهد الفيلم الذي ينتظر أن يأتيه «جاط البوب كورن» على الطاولة. بعد تمدده، يسود التعتيم الكلي كي يبدأ عرض «مسرح المعركة».


خوض تجربة جسدية
مع المشاهد مبنية على
طقوس الجماعة والقبيلة


يدخل الممثلون ببطء على الخشبة، كما لو أن لحظة دخولهم هي لحظة تاريخية. يتبسمون على وقع موسيقى خالد ياسين ويمشون نحو السطول الحديدية. يمرغون رؤوسهم بالماء. يفرحون. تُمرَّغ رؤوسهم بالماء مجدداً. ثم مجدداً. حتى يأتيهم الموت. ينبعثون من موتهم. يسلخون عنهم قمصانهم المبللة، ويتقدمون إلى البقعة السوداء بين الفضاءين. تتمدد النسوة على الأرض ليطاولن موتهن، فيما يغرق الرجال في طقوس جسدية خاضعة لتأويلات متعددة ولامتناهية. لكن يبقى الأهم تحوّل الضحية إلى جلاد في سياق جسدي مؤلم ينتهي بصورة قطع الرؤوس. على اليابسة، هناك شاب وشابة (تمارا سعادة ورمزي هبري) يتساءلان طوال الوقت عن المشهد الذي يجري أمامهما. يستعملان الميكروفون. لا يبدو أن خيار الميكروفون تقني بقدر ما هو حامل لدلالة هي الأخرى قاسية: هناك من يعيش الصورة (صورة الموت) ويغرق في عرض البحر دون أن يُسمع حتى صراخه. وهنالك ـ على اليابسة ـ من يملك ميكروفوناً يستعمله تارةً للتساؤل عن وجوده في هذا المكان، وطوراً لبوح يوميات غير مكتملة. هذا الميكروفون الحي يبدو عاجزاً أمام صور الموت. هو منفصل ومتصل عن كل تلك الصور في آن. يصحو وينام وتبقى الأسئلة ذاتها. هذا الميكروفون هو الصرخة التي يكبتها كل من شاهد صورة الطفل السوري ايلان كردي وتشاركها. هذا الميكروفون هو الفضاء الصوتي الكوني العاجز – أكان افتراضياً أم غير ذلك - الذي سمح لكل أصوات العالم بالبوح والصراخ دون أن يتمكن إيلان من أن يقول لنا «شكراً وصلت إلى الشاطئ وأنا بخير».
اختارت «زقاق» هذه المرة خوض تجربة جسدية مع المشاهد مبنية على طقوس الجماعة والقبيلة، فيها خلط بين الطقوس الدينية وطقوس اللعب تنتقل من جلد الذات إلى جلد الآخر وصولاً إلى لحظة النشوة الجماعية حيث يبدو المنتصر المعنِّف والمعنَّف في الوقت عينه في أقصى جبروته. لم يكن هنالك من مساحة كبرى للنص. الأهم بالنسبة إلى الدراماتورجيا التي تولاها كل من عبد الله الكفري ومايا زبيب كان وضع المشاهد أمام قسوة الصورة ومساءلة دوره من دون تحميله الكثير من اللوم والعودة به إلى الحجر الأول للإنسانية. لذلك، غابت كل السياقات الاجتماعية والسياسية عن قصة العرض، رغم أن المسرحية تتماهى بكل ما فيها من عناصر مع المأساة السورية وبعض من الأزمة اللبنانية.
الممثل على خشبة «مسرح المعركة» يختبر لحظات شبقية عنفية. وهنا يحاول قدر الإمكان أن يبقى وفياً للقضية التي يطرحها: ربما أراد كل من جنيد سري الدين، وهاشم عدنان وكريستيل خضر ولميا أبي عازار وغيرهم أن يعيروا أنفسهم بعض العنف الذي تعرض له الضحايا الذين تحدثوا عنهم. ربما أرادوا أن يعاقبوا أنفسهم بخلق عنف طقسي جسدي يمتد على كل الأزمنة ويتكرّر إلى ما لا نهاية. هنا يكمن مأزق الممثل في «مسرح المعركة». لا تكمن أهمية هذا العرض في نقل سياق متجانس لقصص أفراد أو عائلات غرقوا في عرض البحر. تكمن أهميته في التجربة التي يمر بها كل من الممثل والمشاهد في آن واحد. الممثل أدى واجبه على أكمل وجه. يكمل جوزيف قاعي عمله السينوغرافي (ناتالي حرب) ويضع أرقام الموتى حيث يجب وضعها ويواظب على رسم حدود الكرة الأرضية على خشبة «مسرح المدينة». أما المشاهد، فحكايته تبدو أكثر تأزماً، اذ قصد القيّمون على العرض أن يصبح في نهاية المعركة مشاهداً أعزل: منعته المشاهد الموجودة من التماهي والانفعال. هذا المسرح ليس للتسلية أو للتصفيق والبكاء على الأزمة الإنسانية. هذا المسرح ليس لإلقاء اللوم على أحد أيضاً. ما من أحاسيس جياشة. ما من غضب. ما من تحريض مباشر. مجرد أزمة كونية شبيهة بتلك التي نلقاها كل يوم حين تتكدس أرقام موتى المعارك والحروب ونحن نكمل عملنا على الحاسوب.

«مسرح المعركة»: حتى 6 أيلول (ستمبر) ــ «مسرح المدينة» (الحمرا) ـ للاستعلام: 01/753010