تونس ــ سفيان الشورابي

في شريطها بحثت الشامخي عن أصل المزود وسرعة انتشاره رغم الموانع الكثيرة، لتكتشف أنّ غالبية مغني المزود يحظون بشعبيّة كبيرة. فتحت الأشجار في الأحياء السكنيّة البعيدة، وخلف الأسوار المهدّمة لبقايا المنازل المهجورة، يلتقي محبو هذا الفن في حلقات غناء جماعي لها طقوسها الخاصة بين كحول ومخدرات. يغنون لأسماء لمعت في مجال هذا النوع أمثال محسن الماطري، وعبد الكريم البنزرتي، والهادي دنيا، وصالح الفرزيط، ونور الدين الكحلاوي، وغيرهم. وحفظ مقطوعات المزود سهل جداً، خصوصاً أنّها مكتوبة باللهجة العامية السلسلة، تشدو الاشتياق إلى الحبيبة أو الحنين إلى الوطن.
المغني مصطفى قتّال الصيد الذي عاشر الجيل الأول لـ«المزاودية» يروى في الشريط نشأة هذا الفن وارتباطه بأتباع الطائفة اليهودية في تونس خلال الاستعمار.


يختزن قصص النازحين من الأرياف بحثاً عن عمل

«فن المزود» ليس الشريط الأول للشامخي، مدرّسة جماليات الصورة والتقنيات السمعية البصرية في «المعهد العالي للفنون الجميلة» في تونس... ففي رصيد السينمائية التونسية روائي بعنوان «وراء البلايك» (2007)، ومجموعة من الأفلام القصيرة والوثائقيات. لكنّ عملها هذا جاء وثائقياً كلاسيكياً بامتياز، تغيب عنه الخدع البصرية، أو عمليات التحديث التقني، ما أضفى عليه طابعاً جدياً أكثر من اللازم.
وسقطت المخرجة في بعض الأخطاء، حتى بدا تصوير بعض الحفلات أقرب إلى تصوير الهواة. كما أن تقطيع الشريط وإيقاعه، جعلاه أقرب إلى الريبورتاج التلفزيوني، منه إلى الوثائقي الفنّي. كان من الأجدى أن تغوص الشامخي في ظروف عمل المغنّين في الكباريهات وفي الأعراس. أو ربما أن تسلّط الضوء على بعض المطربين وعلى نمط عيشهم اليومي، وأسلوب حياتهم الاعتيادي... وأن تقترب من محبي هذا النوع الموسيقي لمعرفة علاقتهم الوجدانيّة به. هفوات لا تلغي أهميّة الشريط، الذي يُبرز مكانة المزود في الذاكرة الجماعية التونسيّة.