مشروعه مسكون بالشغف



موعد مع «رباعي فيليب الحاج» غداً في مسرح «مونو» البيروتي. يقدّم العازف اللبناني الشاب مؤلفات جديدة تصدر قريباً في ألبومه الثالث


بشير صفير
مرّةً جديدة نجد أنفسنا أمام معضلة الكتابة عن المؤلف الموسيقي وعازف البيانو اللبناني فيليب الحاج. كيف نهمل فناناً يعمل في الاتجاه المعاكس للانحدار الفني العربي؟ في المقابل، كيف نعالج تجربةً منشطِرة إلى شقَّيْن، عندما تكون النتائج الإيجابية في الشق الأوّل شبه أكيدة، وفي الشق الثاني غير أكيدة؟ نقصد فيليب الحاج الذي ثبَّت، في البداية، رِجلاً في الأداء الكلاسيكي، ويحاول جاهداً منذ ست سنوات تثبيت الثانية في الجاز (تأليفاً وعزفاً).
مساء غدٍ الجمعة، يتجدّد الموعد على خشبة «مسرح مونو» مع فيليب... الثاني. أي، عازف البيانو الذي «ارتدّ» جزئياً عن الموسيقى الكلاسيكية، لـ«يعتنق» الجاز. أو، لنقل، فيليب الذي له في الموسيقى الكلاسيكية الكثير، وعليه في الجاز الكثير الكثير. سبق أن تمنينا على الحاج أن يختار بين الجاز والكلاسيك. فالعالمَان مختلفَان حدّ التنافر، ليس فقط في الخصائص الموسيقية، بل في التخطيط والمقاربة، وأيضاً في أسلوب الحياة الذي يجب اتباعه في الحالتَيْن. ومعاشرة النمطَيْن بشكلٍ متزامن أمرٌ شبه مستحيل. فنانون ذوو مستوى عالمي تعثروا بهذه الخطوة (العازف الأميركي كيث جاريت نموذج مثالي في مرحلة من مسيرته). أمّا توظيف العالم الأول (الكلاسيك) في الثاني (الجاز)، فهو أهمّ ما يمكن إنجازه، وهذا ما نجح فيه الحاج في بعض ما قدَّم.
لكن، منذ ظهور هذه الازدواجية عنده، لا يبدو أنَّ الفنان الشاب قد حسم أمره. بعد هذه الحفلة، ينوي الموسيقي الشاب إقامة أمسية كلاسيكية، تاركاً الباب مفتوحاً على الماضي، ومشرَّعاً على مستقبلٍ غامض. تماماً كما فعل مراراً خلال السنوات الأخيرة.
غداً، سيقدّم فيليب الحاج مع ثلاثة من زملائه (تحت اسم «رباعي فيليب الحاج»)، فلورانس كروشي (باص)، دميان هنيكر، (ساكسوفون) وفؤاد عفرا (درامز)، برنامجاً يتألف في الجزء الأكبر منه من مؤلفات جديدة ستصدر لاحقاً في ألبوم ثالث يُرتقب صدوره مطلع العام المقبل. في الألبومَيْن السابقَيْن Jazz Oriental وSunday Afternoon، وربما في الألبوم الآتي، يبدو فيليب أنه يقدِّم ما هو مقنعٌ للجمهور أكثر مما هو مقتنعٌ به. أو ما قد اقتنع به لشدّة صعوبة إقناع الجمهور بالأداء الكلاسيكي. الدليل على ذلك يكمن في عنصرَيْن أساسيَّيْن. الأول، اعتماد المزيج بين الجاز والموسيقى الشرقية (تخلى فيليب جزئياً عن هذه السياسة)


اختار التيار السائد في الجاز آخذاً في الاعتبار متطلبات الجمهور العريض


الذي يوصِل الأخيرة إلى الغرب من باب الجاز، ويوصل الجاز إلى العرب من الباب الشرقي. الثاني، اعتماد الإبهار التقني الذي يؤمِّن، من دون مجازفة، التصفيق في الشرق، وأحياناً في الغرب أيضاً. لا شكّ في أنّ الهدف سامٍ بكلّ جوانبه، غير أن لبّ المشكلة يبقى في النتائج التي يحار دوماً أي فنان بين أن تكون فوريّة أو أن لا تكون.
بمعنى آخر، وبعد عزل الموسيقى الكلاسيكية عن المعادلة، يبدو أن الحاج قد اختار، في الجاز نفسه، التيار السائد الذي يأخذ في الاعتبار متطلبات الجمهور العريض. فالجاز الكلاسيكي (أو النقي) باتت حاله حال الموسيقى الكلاسيكية، لناحية علاقة الجمهور به. أما الـ «فيوجن» (بالنكهة الشرقية أحياناً)، فهو وجبة الجاز السريعة التي تغري المستمع من دون أن تسدّ جوعه... فضلاً عن المقاطعة التي يمارسها بعضهم تجاهه. هذا لا يمنع من الإشارة إلى التطوّر الذي أحدثه الحاج ضمن مشروعه هذا، منذ تسجيل أسطوانته الأولى. تطوّرٌ لم يبلغ به فناننا ما أنجزه في الموسيقى الكلاسيكية، على الرغم من أن المرتبة التي توقّف عندها في 2003/ 2004، لن تبقى على حالها إن لم تزوَّد بوقود التمارين اليومية.
على أي حال، يبقى الأهم أن فيليب الحاج يبدو شغوفاً بمشروعه الموسيقي. والشغف شرطٌ أساسيّ لنجاح أيّ مشروع. لكن هل الشغف يكفي لتحقيق الإنجازات؟ نعم. دائماً؟ كلا.


8:30 من مساء الجمعة، أوّل تشرين الأول (أكتوبر) ـــــ «مسرح مونو» (بيروت). للاستعلام: 01/202422