بيار أبي صعب

هناك أيّام كئيبة أكثر من غيرها. هناك أخبار يصعب على المرء أن يقبلها. جان ـــــ بيار ليدو السينمائي الجزائري الذي تعلّمنا منه الوجه الآخر للحلم، قرّر هو الآخر أن يترك الساحة ويمضي. هناك أخبار لا يقبلها العقل. كلا، لا يمكن أن يكون ليدو فعل ذلك. كيف يتنكّر لماضيه، هو المسكون بتاريخ الجزائر، بجرح مفتوح يعشّش في ذاكرتها الجماعيّة؟ لعلّه تعب من العبء الفكري والسياسي والفني والأخلاقي الذي حمله دهراً. قرّر أن يمزق الصورة المضيئة، أن يتنازل عن المُثل التي آمن بها في أحلك الظروف، متصدّياً لكل أشكال الاستعمار والقهر السياسي...
السينمائي الماركسي، البربري اليهودي الإسباني الجزائري، المولود في تلمسان (1947)، تعلّم أن ينظر إلى العالم من خلال الكاميرا في مختبر ميخائيل روم في موسكو، وصوّر أفلاماً نادرة ستبقى في ذاكرة السينما، مسلّطاً أسئلته الحادة، منتقداً تجارب البناء المجهضة، فاضحاً الروايات الرسميّة للتاريخ. والآن، ها هو صاحب «أمبراطوريّة الأحلام» (82)، و«أضواء» (89)، و«وقائع جزائريّة» (94)، يحمل ثلاثيّة المنفى: «حلم جزائري» (2003)، «أشباحي الجزائريّة» (2004)، «الجزائر، حكايات لا ينبغي أن تقال» (2007)، ويمضي بها إلى إسرائيل.
نعم، جان ـــــ بيار ليدو سيحلّ ضيفاً على فلسطين التاريخيّة، غير عابئ بالاحتلال الذي ينهشها منذ 62 عاماً، بدعوة من «المعهد الفرنسي» في تل أبيب، ومنها ستنتقل أعماله إلى القدس وحيفا وأماكن أخرى. صعوبة بناء المجتمع التعددي الذي طالما آمن به ليدو، تبلغ هنا ذروتها التراجيديّة. ردّاً على استبداد السلطة وعمى الجماعات المقهورة، اختار أن يصبح شاهد زور. إنها نهاية «حلم جزائري».