ذات يوم اكتشف علي بدر رسائل كتبها المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون مطلع القرن الماضي إلى الأب والعلّامة اللغوي العراقي أنستاس الكرملي، واختار الروائي العراقي أن يتقاسم معنا هذه الغنيمة...


حسين بن حمزة
نكاد لا نجد شبيهاً لعلي بدر بين مجايليه، سواء في بلده العراق، أو في بلدان عربية أخرى. هذا الكاتب الذي صعد اسمه بقوة منذ باكورته الروائية «بابا سارتر» (2001)، كتب بغزارة لافتة، وحصدت أعماله جوائز عدة، ولاقت صدىً واسعاً من القرّاء والنقاد معاً. حتى الذين انتقدوه لم يستطيعوا تجاهل خصوصية صوته الروائي، الذي مزج بين طموحات سردية عالية وحساسية خاصة في مقاربة الواقع العراقي.
خصوصية صاحب «شتاء العائلة» (2002) لا تتأتى فقط من غزارته الروائية، بل من قدرته على تقديم إحاطة ثقافية واجتماعية ونقدية معقولة بالعالم الذي تتحرك فيه رواياته التي تتغذى من شغف شخصي باللغة والتاريخ، ومن احتكاك صحي وضروري بأفضل السرديات العربية والعالمية. هناك دائماً ثقافة ما أو طموح نظري يتراءى لنا داخل مناخاته الروائية. أضف إلى ذلك أنّ دراسته للأدب الفرنسي جعلت مرجعياته مختلفة إلى حد ما عن المرجعيات الإنكليزية والأميركية، التي اعتدنا أن تصاحب المساحة الأعظم من الكتابات العراقية.
لسنا بصدد رواية جديدة تستدعي هذا الكلام، بل أمام كتاب «ماسينيون في بغداد» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر) المنجز اعتماداً على 300 رسالة كتبها المستشرق الفرنسي الشهير لوي ماسينيون (1883 ـــــ 1962) إلى الأب والعلامة اللغوي العراقي أنستاس الكرملي بين عامي 1908 و1919. عثر علي بدر على الرسائل في دار المخطوطات العراقية في بغداد، وتولى ترجمتها وتحقيقها وفق مناهج التحقيق المحكمة. وهو لا يُخفي أن عثوره على الرسائل «ينتمي إلى واحدة من القصص البورخيسية». بل يقول إن ما دفعه إلى تحقيقها وتقديمها إلى القارئ العربي، هو شعوره بأن الرسائل تعلّمنا مواجهة ثقافتنا وثقافات الآخرين، والانفلات من التسييس المفرط، والابتعاد عن الزيف والاختلاق في ما يطلق عليه صراع الحضارات. الواقع أن ثمة استحالة في فصل الرسائل عن الخلفية الواسعة التي يثيرها اسم ماسينيون في الذاكرة الاستشراقية التي قام فهم الغرب للشرق على أجزاء كبيرة منها.
امتلك ماسينيون رؤية مختلفة للواقع العربي في بدايات القرن الماضي، وحاول أن يجد صلات وصل قوية بين عالمه المسيحي والعالم الإسلامي من خلال شخصية الحلّاج، التي تجلت لديه كمقابل إسلامي لروحانيته المسيحية. اهتدى ماسينيون الى الصوفية، وانتهى إلى التبشير الكولونيالي كما يقول العنوان الفرعي للكتاب، ولكن الكتاب يتدخّل أكثر من مرة لتبديد سوء الفهم الأوّلي الذي يثيره العنوان. يلاحق بدر الفجوة الكبيرة بين فكر المستشرق الفرنسي وبين مزاولته للعمل السياسي المباشر، مؤكداً أن «عمله في السياسة وضع بصمة واضحة على تراثه البحثي والعلمي والأدبي». وهي بصمة ستظل مثيرة للشكوك في أذهاننا التي لا تزال تنظر إلى الدراسات الاستشراقية كسبب أساسي لكل التنميطات الغربية للشرق.


استُخدمت معرفته بالعالم الإسلامي لرسم السياسات الاستعمارية

صحيح أن ماسينيون فضح النيات الاستعمارية التي قامت على هذه التنميطات، وهو القائل: «هؤلاء المستعمَرون المساكين لا يوجدون لأغراضنا فحسب بل يوجدون بذاتهم ولذاتهم»، إلا أن جهده الفكري استخدم في تحويل الاستشراق «من خطاب محايد للمعرفة العلمية إلى أداة سيطرة وتسلط».
بطريقة ما، تحول ماسينيون إلى «وكيل استشراق» لدى وزارة الخارجية الفرنسية، بحسب تعبير إدوارد سعيد. انضم الرجل إلى جيش الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، ثم عمل سكرتيراً لجورج بيكو، الاسم الثاني في اتفاقية سايكس ـــــ بيكو لاقتسام العالم العربي. لكنه اكتشف في النهاية حقيقة خرق الحلفاء للعهود التي قطعوها على أنفسهم تجاه العرب، وشعر بأن «الغرب هو الذي أوصل الشرق إلى الفراغ الكبير وإلى الفوضى والانتحار». الخلاصة أن ماسينيون كان ضحية المثقف في علاقته بالسلطة، «فقد كان يُدرك دوره التنويري بوصفه مثقفاً، ومع ذلك خضع لدور آخر هو وضع علمه وثقافته ومعارفه عن الإسلام في خدمة السياسة الكولونيالية».
لا شك في أن الكتاب يحتاج إلى قراءة متأنية، فضلاً عن المتعة التي تنطوي عليها قراءة الرسائل نفسها. ولا بدّ أخيراً من التأكيد مرّة ثانية على خصوصية علي بدر، الذي ينجح في إثراء تجربته الروائية بممارسات أخرى، كالتحقيق والرحلات والريبورتاجات الصحافية.