دبي | لقاء شيق مع فنان من فلسطين أو بالأحرى فنانين، ببساطة لأنهما توأم: إنهما الأخوان طرزان وعرب ناصر (محمد وأحمد أبو ناصر). للوهلة الأولى، تشعر أنهما خارجان من غابات بوليفيا بعد معركة شرسة إلى جانب تشي غيفارا والرفاق، فطرزان البالغ طوله ما يقارب مترين، وصاحب الشعر الطويل واللحية الكثة واللباس الهيبي والعيون المكحلة تفرض عليك النظر وبشكل متواصل إليه كأنه مقاتل. الوصف ينطبق أيضاً على الأخ التوأم عرب، فالإثنان يكملان بعضهما رغم أنهما مشاكسان في الجدال، لكنهما يلتقيان على الموجة نفسها، موجة العناد الفلسطيني.

درس الأخوان الفنون الجميلة في غزة، تحديداً التصوير لأنه الأقرب إلى السينما، خصوصاً أنّ والدهما قال لهما إنه لو استطاع أن يساعدهما في دراسة السينما لعام أو اثنين، فمن أين سيأتي بالمال في الأعوام التالية في ظل ظروفهم المعيشية في قطاع غزة؟ معاناتهما في القطاع لن تنتهي في ظل نظام يقمع أو يحرم الفن أساساً، فالمساحة المتاحة لهما ضيقة جغرافياً ونفسياً وميدانياً، بسبب الحكم فوق رأسيهما من جهة، وبسبب العدو الإسرائيلي الذي يعرف قيمة الفن وتأثره، فيقمعه من جهة أخرى. لذا قررا المغادرة إلى الأردن والعيش هناك بشكل غير قانوني، لأن الأردن أيضاً لا يقدم تأشيرة للقادم من غزة.

عرض «ديغراديه» ضمن «أسبوع النقاد» في «كان»
خلال فترة إقامتهما هناك، أنجزا فيلمهما الروائي الطويل «ديغراديه» (Dégradé) الذي عرض ضمن «أسبوع النقاد» في «كان» هذه السنة، فيما يشارك حالياً في «مهرجان دبي السينمائي». صور الفيلم في الأردن في حي يشبه غزة إلى حد ما، وأغلب المشاهد تدور داخل صالون نسائي متواضع. يتتبع الشريط حياة مجموعة من النساء اللواتي يعشن بحرية داخل جدران المكان، يحاولن اكتشاف جمالهن بعيداً عن أعين العالم الخارجي إلى حين مداهمة الصالون من قبل الشرطة. ومن خلال هذه المساحة المغلقة، ينقل الفيلم الناطق بالعربية والروسية المعاناة اليومية في غزة، فيما ينتقد الحصار الذي يضيق على حياة الغزيين، من «حركة حماس» إلى العدو الإسرائيلي. قبل هذا الفيلم، شارك الأخوان ناصر في «مهرجان كان السينمائي» أيضاً عام 2013 بفيلمهما القصير «كوندوم ليد» ضمن المسابقة الرسمية، ما أتاح لهما الفرصة الأولى للوجود في فرنسا، وسهولة حصولهما على الإقامة في باريس. يقول عرب إنّ الفرنسيين احتضنوهما لأن الفن لا هوية له. وهنا يتدخل طرزان ليضيف إن سيدة فرنسية كانت ترفض أن تتقاضى إيجار المنزل الذي سكنوا فيه، لأنهما مشاركان في «كان»، إلا أنهما لم يقبلا، مضيفاً: «حين نسافر في المطارات العربية أحياناً، نقف في الطابور عند مفتش الجوازات، ونشاهده يمرر مجموعة من المسافرين من جنسيات مختلفة أمامنا ويبقينا منتظرين من دون جدوى». يقول بحسرة إن لا قيمة للإنسان في بلده. «ماذا يريدون؟ كم يجب أن نشقى كي ينعموا في مناصبهم؟ أريد أن أصنع فيلماً، ما المشكلة في ذلك؟ زهقنا... حلو عنا» يضيف طرزان بلهجته الفلسطينية.