في وقت يسبح فيه العالم العربي من المحيط إلى الخليج في بحر من الدماء نتيجة الصراعات والحروب، تسبح هذه الحروب أيضاً ونتائجها في لوحات تجسّد تلك المآسي وتوثّقها بطريقة فنية إنسانية ذات رسالة واضحة لإنهاء الحروب والدعوة إلى السلام. هذا الدمج بين الفنّ والحرب ليس جديداً، فتاريخياً كان موجوداً، وبعضه أضحى تحفاً فنية خالدة.


انطلاقاً من هذه الخلفية التاريخية وما يحصل حاضراً في بلادنا، استقى المخرج بلال خريس فيلمه «الريشة تحكي الحروب» (إعداد سهى الصباغ) الذي سيُعرض غداً على شاشة «الجزيرة الوثائقية». شريط تسجيلي فنيّ (60 د.) يركّز على سرد الحروب التي مرّت بها البشرية منذ الحربين العالميتين وصولاً إلى الوقت الحالي، عبر لوحات تشيكيلية لفنانين أجانب وعرب. جولة مع هؤلاء على أعمالهم والرسائل التي أرادوا إيصالها، مع إطلالة على الحقبات التاريخية مع الباحثة في علوم الآثار والفنّ إلهام كلاب.
إذاً، لناحية الصورة، ينقسم الفيلم إلى مرحلتين: السرد التاريخي ورحلة في هذا العالم إلى أشهر اللوحات العالمية التي طبعت مرحلة دموية محدّدة، ولا سيما الأوروبية. من بين تلك الأعمال لوحة الفنان الإسباني فرانثيسكو غويا «الإعدام رمياً بالرصاص» التي تؤرّخ صمود الثوار الإسبان أمام القوات الغازية الفرنسية بقيادة نابليون بونابارت، لينتهوا قتلى مضرّجين بدمائهم. وهناك لوحة إسبانية أخرى لبابلو بيكاسو وجداريّته الشهيرة «غيرنيكا» التي تحمل اسم المدينة الإسبانية التي شهدت أعنف المعارك في الحرب الأهلية، وأضحت لاحقاً معلماً يجسّد معاناة الحرب والناس.


تضم لائحة الرسامين، الإسبانيين فرانثيسكو غويا وبابلو بيكاسو والألمانية كاثي كولويتز

يقول مخرج العمل بلال خريس لـ«الأخبار» إنّ «الهدف من الفيلم الإضاءة على العين الفنية التي توثّق وتصّور الحروب منذ القدم، وصولاً إلى يومنا هذا. يُستهلّ العمل من حقبة نابليون الذي كان يصطحب معه إلى الحروب مجموعة رسامين بُغية رسم المعارك، وأيضاً لتصوير عظمته وعظمة جيشه الجرّار. ينتقل السرد بعدها إلى الحرب العالمية الثانية، وإضاءة هنا على الرسامة الألمانية كاثي كولويتز التي فقدت ابنها في هذه الحرب وجسّدت في كل لوحاتها معاناتها في فقدان ابنها، لتوصل رسالة إنسانية عن هذا الشعور ومدى بشاعة الحروب».
بعد المحطات التاريخية، تدخل الكاميرا إلى لبنان الذي أرّخ فنانوه للحرب الأهلية، منهم الرسامة غريتا نوفل التي استرجعت الإحساس عينه عندما ذهبت إلى المكان نفسه (أحد الملاجئ) الذي رسمت فيه لوحتها إبّان الحرب. وهناك الفنان حسن الجوني الذي تناول النزوح في بيروت ومن الجنوب اللبناني. ومن لبنان إلى سوريا، ووقفة مع الفنان أحمد قليج الذي رسم تحت أزيز الرصاص في حمص لوحاته المستوحاة من الحرب الدائرة في بلاده. لاحقاً، يجري الانتقال إلى مصر وفلسطين ولقاء مع بعض الفنانين هناك.
من خلال ما تقدّم، يبقى القول إنّ للفنّ، ولا سيّما التشكيلي، رسالة قوية بوجه الحرب يؤرّخ لها، لكن تبقى الدعوة الأهم من خلاله إلى إنهاء هذه الحروب والحدّ من بحر الدماء الذي نغرق فيه اليوم. لعلّها صرخة فنية في وجه آلة القتل على أمل أن تلقى آذاناً صاغية.

«الريشة تحكي الحروب»: غداً ــ23:00 بتوقيت بيروت ــ على «الجزيرة الوثائقية»