القاهرة | المؤيّدون للدستور المصريّ بعد «30 يونيو» كانوا يؤكّدون أنه أفضل ما يمكن التوصّل إليه في مجال الحقوق والحريات، إلا أن التطبيق العملي لمواد الدستور كشفت أنّ هناك فارقاً شاسعاً بين ما ضمنه الدستور وما ينفذ فعلياً. برغم النصّ الدستوري (المادة 71) الذي «يحظر فرض رقابة على وسائل الإعلام أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها...»، سُجّلت 14 واقعة حجب ووقف طباعة ومنع توزيع ومصادرة في ظلّ هذا الدستور، الذي أصبح نافذاً منذ كانون الثاني (يناير) 2014.


«الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان» أعدّت أخيراً ورقة بحثية تحت عنوان «تلفون من جهة سيادية – عن حجب ومصادرة الصحف المصرية بعد الدستور»، توثّق فيها حالات الحجب ومنع الطباعة والتوزيع والمصادرة التي تعرّضت لها الصحف المصرية خلال عام وثمانية أشهر.
وتأتي أهمية الورقة، لكونها تحاول الإجابة عن ماهية الشخص، الجهة، الغامض/ة (السيادية) التي تُصدر تلك القرارات. وجاء في الورقة «أنّ الأجهزة الأمنية تعتمد على إحتكار المؤسسات الصحافية القومية، الحكومية، للبنية التحتية اللازمة لطباعة الصحف وتوزيعها. هذا الأمر يتيح لأيّ جهة أن توقف طباعة أو توزيع أيّ صحيفة بمجرد إجراء مكالمة تلفونية مع شخص مسؤول داخل المؤسسة الصحافية القومية».
وأشارت الشبكة في الورقة البحثية إلى أنّ مثل هذه القرارت تقع في منطقة «رمادية قانوناً»، لأنه بحكم القانون تبقى المسؤولية مدعاة في حقّ جهة مجهولة، إذ لا وجود للجهات السيادية في القانون، وهذا المسمى (الجهات السيادية) غير الرسمي يُطلق على عدد من الأجهزة الأمنية والاستخبارية.


14 واقعة حجب ووقف
طباعة ومصادرة منذ سنة


أما القرارات، فتقع في «منطقة رمادية» لأنه ما من أمر كتابي أو حتى شفاهي رسمي بها، علماً أنّ المؤسسات القومية تتنصّل من المسؤولية عن حجب أو منع أيّ صحيفة تَطبع في مطابعها، إلا أنها لا تنكر صراحة أن استجابتها للأوامر الموجّهة إليها من الجهة السيادية المجهولة كانت في الواقع طواعية وربما طبيعية. وعلى جانب آخر، يستحيل تحديد الجهة السيادية المجهولة على وجه الدقة من دون تعاون المؤسسات القومية، وهو تعاون لا يجري على أيّ حال.
ولفتت الورقة كذلك إلى الدعاوى القضائية التي رفعتها مؤسسات حكومية ضدّ الصحف إعتراضاً على محتوى يتناولها بالنقد، كما عرضت لحالات التضييق على كتّاب صحافيين ومنعهم من الكتابة في بعض الصحف، وكذلك منع نشر مقالات معينة. وأشارت الشبكة إلى الرقابة الذاتية التي تطبّقها غالبية المؤسسات الصحافية خوفاً من الحجب والمنع، أو تقرّباً من السلطة وتحقيقاً لمصالح خاصة بأصحابها. وأكّدت أن تلك الرقابة هي السبب في عزوف القارئ عن هذه المؤسسات، لا الصحافة الإلكترونية ومواقع التواصل الإجتماعي، كما يسوق أصحاب هذه الصحف أو المسؤولون فيها.
ونبّهت الشبكة الجماعة الصحافية ومؤسساتها «للنظر إلى آليات الحجب والمنع المستخدمة حالياً كركن أساسي للتهديد الوجودي للصحافة المصرية».