ما زال «أبو عهد» قاطع التذاكر في «مسرح الحمراء» الدمشقي يواظب على دوامه المسائي بعناية فائقة، ويحرص على أن تكون طلّته أنيقة كما يليق بموظف يعتبر واجهة مسرح عريق. أما المرابضون في دمشق من جمهور المسرح، فهم على حالهم يتجمّعون في بهو واسع أمام المسرح، في انتظار مشاهدة عرض جديد على قلة العروض الجيدة.


فصنّاع «أبو الفنون» لم يبق منهم في دمشق سوى قلة قليلة، ييذلون جهوداً جبارة للعمل وفق المتاح من الإمكانيات التي لا تصلح لأي حياة بشرية أصلاً، فكيف لها أن تصلح لصناعة فن مكتمل؟! لا ضير في ذلك، فقد تمّكن مسرحيون شباب من ترك بصماتهم خلال سنوات الحرب القاسية، وكلّ ما فعلوه هو تغيير مواعيد تمريناتهم، وكذلك عروضهم ليتمكّن من يريد الحضور العودة إلى بيته قبل أن يوغل الظلام وتتحول المدينة إلى «مرتع أشباح» يغرق في الظلام. ربما أبرز هؤلاء المسرحيين المعتصمين في «مدينة البوابات السبع» كان كفاح الخوص وعروة العربي. تعاون الفنانان الشابان أخيراً على إنجاز عرض جديد بعنوان «مدينة في ثلاثة فصول» (راجع المقال أعلاه). وفي الليلة الثانية لافتتاح العرض، كان على الجمهور الذي ملأ الصالة عن بكرة أبيها، أن ينتظر حوالي 45 دقيقة بسبب انقطاع التيّار الكهربائي. سابقة لم تحدث في تاريخ المسرح السوري. وعندما فُقد الأمل، ما كان من صنّاع العرض سوى الوقوف بخجل شديد أمام الجمهور والاعتذار ثم التمني عليه مغادرة القاعة والعودة في اليوم التالي! هنا سأل أحد المتفرّجين «طيب لماذا لا تعيدون لنا ثمن البطاقات التي دفعناها؟» فعجز الجميع عن إجابته. لأنه رغم الدم الذي غرّق أقدم عاصمة في التاريخ، ما زال الفساد والبيروقراطية يحكمان عمل «وزارة الثقافة» التي تعجز بفضل كادرها المحنّط عن إيجاد حلّ لانقطاع التيار الكهربائي المستمر في دمشق بشراء مولّدات خاصة بمسرحي «الحمراء» و«القباني» وهما ربما المسرحان الوحيدان اللذان ما زالا ضمن الخدمة.
في اتصاله معنا، يطلق كفاح الخوص صرخة قهر مختصرة ويقول: «لم أتعرّص لإحراج أكثر مما تعرضت له في تلك الليلة. عندما سألنا المعنيون عما يحدث، أجبنا أن وزارة الثقافة وجّهت كتاباً لوزراة الكهرباء ولم ترد عليه». يصمت نجم «حدود شقيقة» للحظات ثم يستطرد «الغريب أن أردأ كباريهات دمشق تملك مولّدات تحلّ لها أزمة الكهرباء، بينما لا تملك «مديرية المسارح والموسيقى» إمكانيات تلك الكباريهات حتى اليوم؟!» ويلفت الممثل والكاتب الشاب أنهم سيستعينون بكم كبير من الشموع وحاسوب محمول وجهاز صوت مزوّد ببطارية ليتكمنوا من إقامة عرضهم الذي وجد استحساناً عند بعض من شاهده.
عندما قرر أبو خليل القباني أن يصنع مسرحاً، هوجم من رقابة اجتماعية ودينية واتهم في القرن الثامن عشر بالفسق والكفر. ربما يعود من استباحوا عرّاب ورائد المسرح العربي ومؤسس «المسرح الغنائي» لكن على هيئة مسؤولين فاسدين، لا يعرفون عن المسرح سوى اسمه لكّنه يسيّجون أنفسهم بمكاتب فخمة وربطات عنق ملونة!