كتابة لحنيّة حديثة تتّسع للطرب والارتجال
يعود عازف العود والمؤلف اللبناني إلى حانة «بلو نوت» البيروتية. استكمالاً لأجواء أسطوانته الأخيرة «دوزان»، يعطي مساحة إضافيّة للبزق، مع شريكه عبود السعدي. على البرنامج «لوحة موسيقية» مهداة إلى فيلمون وهبي وأغنيات فولكلور وموشحات...

هالة نهرا
يعود شربل روحانا بعد انقطاع في سلسلة أمسيات تستضيفها حانة «بلو نوت» (شارع المكحول/ بيروت). قدّم عازف العود والمؤلف الموسيقي أمسيتين أخيراً، على أن يستأنف البرنامج في 19 و20 تموز (يوليو) الجاري. يرافقه هنا أنطوان خليفة (كمان) وإيلي خوري (بزق) وعبود السعدي (باص) ومازن سبليني (كيبورد) وعلي الخطيب (رقّ). ويمثل البزق إضافةً نوعية على السداسي الذي ضمّ سابقاً أكورديون طوني ديب. لعلّ إبدال الأكورديون بآلة النقر الوترية يعكس رغبة في الانعطاف إلى الموسيقى التركية والكردية، بدلاً من الأرمنية. يوسّع البزق هامش الطرب والارتجال والتقاسيم. لم ينفرد روحانا بتأدية السلالم المقامية المميّزة. إذ إنّ الكتابة اللحنية والتوزيع الحديثين يبرزان العود والبزق بالقدر ذاته. صاحب «بسمة» تعاون مع إيلي خوري (عازف بزق وعود وإيقاعات) في أسطوانته الأخيرة «دوزان»، ثمّ كرّت السبحة. عبود السعدي شريك روحانا منذ 1997، لا يرافقه وحسب، بل يسهم في صوغ الـbass line والفقرات المرتجلة، مكمّلاً أفكار روحانا، وخصوصاً تلك المنسلّة من فضاء الجاز. علي الخطيب من جهته ينأى عن لعبة الإبهار الإيقاعي باحترافيته العالية. هكذا، يشي التجانس والكيمياء بين الموسيقيين بأمسية استثنائية يذوّقها أنطوان خليفة ومازن سبليني.
يقدّم روحانا هنا مجموعة من معزوفاته، وأغنياته القديمة والجديدة، إضافةً إلى الألوان التراثية والشعبية. يشمل البرنامج «لوحة موسيقية» مهداة إلى فيلمون وهبي، و«يا حالي عَ السمراوية»، وهي أغنية فولكلور مشترك بين منطقة بعلبك والشمال السوري. كذلك تتخلّل اللقاء بضعة موشّحات («بالذي أسكر» و«لمّا بدا يتثنّى»...)، وأغنية «زهرة بريّة» (شعر طلال حيدر) التي تتغنّى بالعزوبيّة... مقطوعات شربل روحانا تتّسم بنفَس شرقيّ شائع. لم يقوَ على تخطّي هذا النمط الخاضع لخيارات لحنية أو أسلوبية محدّدة إلا في أسطوانة «سلامات» (1997)، حيث جمع بين الجملة المألوفة والإتقان والاختلاف. فبعدما أتمّ باكورته «تنشوف» (1987) و«يوم عليك، يوم عليك» (1990)، ثمّ «ذكرى» (1993) التي لم تلقَ رواجاً بسبب طغيان الاستعراض التقني على التأليف، بدأ يبحث عن هوية تحدّد خطّه. في ذلك الحين، رافق مارسيل خليفة في كونشرتو «جدل» (1996)، مثبتاً جرأته ونضجه.

لهجته التهكّميّة لم ترقَ إلى أعمال عمر الزعنّي وزياد الرحباني و... فِرَق الراب
انطلاقته القوية لازمها «مشروع العود» الذي شغل قبله الشريف محيي الدين حيدر وجميل ومنير بشير، ثمّ عمر بشير ونصير شمّة وسيمون شاهين، ومارسيل خليفة الذي سعى إلى تطوير العود منذ 1977. روحانا المسكون بهاجس عصرنة العود، أعدّ منهجاً أكاديميّاً تبنّاه «الكونسرفاتوار الوطني اللبناني» والمعهد الموسيقي في جامعة «الروح القدس ـــــ الكسليك». لكنّ منهجه المتقدّم مقارنةً بالمنهج القديم (جورج فرح) أغفل المقامات العربية، وغلّب التمارين والتقنيات والوضعيات الغربية. لذلك أُضيفت إليه تباعاً ملاحق عدة تراعي خصوصية الموسيقى العربية. غامر صاحب «إلى الأمام» و«فرح» عندما ألّف «مدى» (1998) مع هاني السبليني (بيانو، كيبورد)، إذ إنّ التأليف المشترك مال إلى التوليف، ونمّ عن تباين لونيّ وأسلوبي واضحين. في عام 2000، أطلق روحانا «مزاج علني» التي أغناها الساكسوفون (توم هورنينغ) والأوبوا (إتيان كوبليان). هنا تألّق روحانا في العزف والتوزيع... شفّ «مزاجه العلنيّ» عن مزاج موسيقي عربي وشرقي طُعِّم بالآلات الغربية، وأُدرج في سياق تجديدي. يمكن القول إنّ «مزاج علني» تمثّل استكمالاً لـ«سلامات» رغم اختلافهما. أمّا ألبوم «كي لا ننسى... محمّد الدرّة» (2001)، وهو قصيدة مغنّاة لمحمود درويش، فتأرجح بين لون طفولي ورديّ وموسيقى درامية تعكس مأسوية المشهد الفلسطيني.
عام 2003، جمع «يا غصن نقا» و«معسّل» و«سماعي راست» (وغيرها) في أسطوانة «والعكس صحيح» التي حقّقت نجاحاً مذهلاً... هذا العمل مثّل امتداداً آخر لـ«سلامات». لم يخفق روحانا إلا في محاولاته الغنائية، وخصوصاً ألبوم «خطيرة» (2006). بعد عام على عدوان تموز 2006، أطلق ألبوم «منعيش» مع زياد سحّاب وعبود السعدي وغازي عبد الباقي معبرين عن موقف واحد مفاده أنّ «العدوان واقع وصمودنا حتميّ». انتقال روحانا (بين 2006 و2008) من التأليف الآلاتي إلى الغناء، عكس رغبته في تأدية الأغنية الملتزمة، ومقاربة المواضيع الاجتماعية بشيء من السخرية. لكنّ لهجته التهكّمية لم ترقَ إلى أعمال عمر الزعنّي وزياد الرحباني، أو حتّى منير الخولي وزياد سحّاب وريّان الهبر وفِرَق الراب. استدرك صاحب «عم ترقصي» تقصيره في التأليف وانسحابه من معترك العزف، فأطلق «شغل بيت» مع «فرقة بيروت للموسيقى الشرقية» (2008)، ثمّ «دوزان» (2010). هذا العمل الأخير «سكنه على مدى سنوات»، بحسب تعبيره. ولعلّ «الإشارات الإيجابية» التي التقطها كشفت ما بداخله «من توق أبديّ إلى هذا الغامض الجميل»، كما يقول. ورغم تعقيدات التجربة التي افتقرت إلى البساطة ودقّة التوافق الهارموني، فإنّ عودة روحانا إلى «ملعبه» ومشروعه بدت خطوة صائبة.

10:30 مساء 19 و20 تموز / يوليو الجاري ــ حانة Blue Note (المكحول/ بيروت). للاستعلام: ٧٤٣٨٥٧/01