إيماءات وتقاسيم بصريّة تعرضها في «غاليري مقام»


حسين بن حمزة
تقتبس غريتا نوفل (1955) العنوان الشهير لفيلم بوب فوس All That Jazz كي يحتضن معرضها الحالي الذي تحتلّ وجوه عمالقة الجاز كل لوحاته. ليست المرة الأولى التي تعرض فيها الرسامة اللبنانية بورتريهات وأعمالاً بتأثيرٍ مباشر من الجاز. نتذكر معرضها Works on Jazz (سيتي كافيه، 1997)، وReading Room (استوكهولم، 2002)، وJazz Portraits (معهد غوته، 2003). اللوحات منجزة بقوة الارتجال والمزاج الشخصي. إنها تقاسيم بالرسم مماثلة لما يفعله عازفو الجاز ومغنّوه على آلاتهم.
لا نرى في المعرض بورتريهات تقليدية مكتملة الملامح. هناك أصل فوتوغرافي لأغلب اللوحات، لكن هذا الأصل محكوم بلحظة الرسم التي تكتفي فيها الوجوه بإيماءات ولطخات لونية قليلة قادرة على اختزال معرفتنا البديهية بأصحابها. الأكريليك هو الطاغي إلى جوار لوحات منجزة بالطباعة على الحرير، وأخرى منفّذة بوسائط مختلفة على ورق مقوّى أو خشب. ما نراه أقرب إلى روحية الاسكتشات والدراسات التشكيلية التلقائية التي تعتمد على الارتجال.
غريتا نوفل ليست ملوِّنة تقليدية. ليس هناك سماكات متعمدة على سطح لوحاتها التي لا تزال محتفظة بمذاقها الفوتوغرافي المجلوب من كتابين هما: The Eye of Jazz للمصوّر الأميركي الشهير هيرمان ليونارد الذي عايش نجوم موسيقى الجاز في الخمسينيات والستينيات، وكتاب The Jazz Photography للأميركي فرانسيس وولف الذي عاش فترة في ألمانيا ثم هرب إلى الولايات المتحدة بعد وصول هتلر إلى السلطة وصعود النازيةنتجول بين ديوك ألينغتون، وبيلي هوليداي، وبن وبستر، وإيلا فيتزجيرالد، وتشات باكر، وسارة فون وإيرول غارنر... وتتناهى إلينا معزوفاتٌ وأغنيات خالدة. لسنا أمام مغنّين وعازفين عاديين. هناك طموحات أخرى تمنح اللوحات طابعاً تجهيزياً.
غريتا نوفل تعرض علينا تاريخاً طويلاً من آلام الأفارقة الأميركيين. إنها تذكرنا بأن هؤلاء الذين بهروا العالم بعبقرياتهم الموسيقية والغنائية كانوا معرَّضين، مثل سائر أشقائهم السود، لأفظع أنواع العنف والتمييز العنصري. الجاز، بهذا المعنى، ليس تجريباً مجانياً أو ذريعة اعتباطية للرسم. إنه ترجمة كيفية لسلوكٍ أو أسلوب في العيش والتفكير.
ولكن لماذا الجاز تحديداً؟ «الجاز كان علاجاً إعجازياً للهلع الذي عشتُه في الحرب»، تقول الرسامة التي تزامنت تجربتها مع الحرب الأهلية. ظلت الحرب مرعبة إلى أن حضرت حفلة جاز شرقي لزياد الرحباني في حانة Blue Note أواخر الثمانينيات. كان ذلك منعطفاً كبيراً في حياتها. ببساطة لم تعد تخاف، أو لم تعد تخاف الخوف القديم نفسه. «كانت المعزوفات أشبه بجرعات هائلة من الأدرينالين. حين خرجت إلى الشارع، أحسستُ أنني خفيفة ومعافاة».
ما حدث جعلها تواظب على حضور حفلات الجاز في الحانة نفسها، وفي أماكن أخرى. لم تكتفِ بالاستماع إلى فرق الجاز، بل راحت تصوِّر حفلاتهم بكاميرتها الخاصة.
إلى جانب لوحات المعرض الحالية، نشاهد تجهيز فيديو مدته عشرون دقيقة، يتضمن ثلاثة أفلام قصيرة لعازفين غارقين في نَشَوَاتهم المتصاعدة من الأنفاس التي تُضخّ في الآلات النفخية، أو من وضع أرواحهم الهشّة في رؤوس الأصابع المتنقلة على مفاتيح البيانو أو الأوتار الغليظة للكونترباص، أو من براعة الانحناء المتوتر على الطبول.
القسم الأخير صُوِّر خلال معرض Imajazzination الذي أقامته نوفل العام الفائت في استوكهولم. هناك صوَّرت بول نيلسن وغلين كافيه، العازفَيْن في أشهر فرقة جاز في السويد. العزف مخترق بصور ومشاهد من انفجارات وحروب. هل قلنا حروب؟ ها نحن نعود إلى الرضّة النفسية التي جعلت الجاز جزءاً جوهرياً في شغل غريتا نوفل. الحياة اليومية هي الاحتياطي الذي تغرف منه الرسامة الفائزة بجائزة «صالون الخريف ـــــ متحف سرسق» عام 1995، وجائزة «لجنة التحكيم في بينالي الإسكندرية» عام 1998.
منذ أن رسم أندي وارهول متتالية مارلين مونرو الشهيرة، شاع استدراج كائنات السينما والرياضة والأزياء، وتحويلها إلى أيقونات وأساطير تشكيلية. فنّانو الجاز حاضرون بهذا المنطق في شغل نوفل التي اشتغلت سابقاً على موضوعات مماثلة، إذْ أقامت معرضها الأول «ناجون» من مشاهداتها في الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982. ثم اشتغلت على فكرة التدمير الذي تمارسه الحداثة على الحياة الفطرية لبعض المجتمعات، مستثمرةً صور النساء النوبيَّات الملتقطة بعدسة الألمانية ليني ريفنشتال.
وبعد حرب تموز 2006، اشتغلت على فكرة النزوح الجماعي في معرض Exodus الذي تزامن افتتاحه مع أحد التفجيرات المتنقلة التي عاشها لبنان حينها. تفجيرات من نوعٍ آخر حضرت في معرض سابق عن الأماكن التي دمرتها شركة «سوليدير» في وسط بيروت. هلع الحرب والهواجس الأمنية رافق غريتا نوفل بطرق مختلفة. الرسم والتجهيز تصاحبا في ترجمة نبرتها التشكيلية، وإنصاتها إلى ظواهر الحياة المعاصرة. «أنا مصابة بالجاز»، تقول الرسامة المقيمة في بلد مصاب بالحروب.

حتى 7 آب (أغسطس) المقبل ـــــ «غاليري مقام» (الصيفي/ بيروت) ـــــ للاستعلام: 01/991212 ـــــ www.maqamart.com