النقاش في طفرة الفنّ وهيمنة السوق، يشوبه الكثير من التعميم والأحكام التقريبيّة التي تظلم الإبداع وتمنع النقاش الحقيقي


حازم سليمان
علامَ يترحّم منتقدو طفرة سوق الأعمال الفنية في سوريا؟ على زمن كان التشكيلي السوري عاجزاً عن توفير لقمة عيشه؟ أم على الوقت الذي كان يُسرق من عمره وتجربته في تقليد لوحات الاستشراق، ورسم المناظر الطبيعية في البيوت والمطاعم وأعمال الديكور؟
كغيرها من القضايا، سرعان ما صارت هذه الظاهرة الموضوع المحبّب في صحف لبنانية وخليجية، وعشرات المواقع. بطولات بالجملة، ومواقف أخذت كالعادة بعداً «نضالياً»، مع زخات متفرقة من الشعارات: «لا لتسليع الفن»، و«لا لرأس المال الذي يدمّر الثقافة السورية»، و«يسقط الأثرياء الجدد». معركة تعميمات يضيع فيها الصالح بالطالح، ويبقى المتابع عاجزاً عن معرفة من هم أعضاء «جمعية السخافة البصرية» الذين يبيعون أعمالهم بمبالغ «خرافية»، ويتسيّدون المحترف التشكيلي السوري الراهن. لا بدّ من التذكير بأن ظهور فنانين شباب بقيم بصرية جديدة لافتة، عكّر صفو مشهد قائم على تراتبية وهرمية تقتضيان نفي الآخر، وعدم الاعتراف به إلا في حال تسلّحه بما يكفي من العلاقات العامة والخاصة. أمام هذه الحال، يصير التعميم بضاعة رائجة. ضياع المحترف السوري صار سيرة على كل لسان. كأن هذا المحترف الهرم الذي نهض على أكتاف تجارب احتملت ما لا يُحتمل لتستمر، كان قبل الآن في أبهى صوره وأشكاله. ومع الحظوظ التي نالها بعض الفنانين في صالات عرض تعمل وفق آليات تسويقية معروفة عالمياً، وليست اختراعاً محلياً، تضخّمت القصة بما يكفي لتصير سجالاً أبعد ما يكون عن جوهر المشكلة. ألا تمثّل طفرة أسعار الأعمال الفنية، وآليات التسويق غير المألوفة، وعقود الاحتكار، نتيجةً منطقيةً لامتثال سوريا لانفتاح اقتصادي يطالب به كثيرون، كأنه العصا السحرية التي ستقلب حال المجتمع السوري؟ أم اجتاحنا الآن الحنين إلى الاشتراكية بعدما تذوّقنا لسعات خفيفة من سطوة رأس المال؟ وقد يريد بعضهم انفتاحاً اقتصادياً على مقاسنا كما فعلنا بالحرية والديموقراطية؟

الحركة الفنيّة بين تراجع الدولة وهيمنة الأثرياء الجدد
من المبالغة بمكان القول إن ما يحدث هو تدمير للفن السوري. لا شك في أنّ ظلماً يلحق بعدد كبير من الفنانين الذين يتجاهلهم المتحكّمون الجدد في السوق. غير أن إخضاع تحولات عميقة في بنية اقتصادية واجتماعية لمحاكمة أخلاقية عاطفية وتوعوية، سيضفي على الظاهرة المزيد من التغريب والتضليل. ذلك أن المشكلة الأبرز تكمن في غياب مشروع نقدي حقيقي قادر على غربلة تلك الظواهر، لا من قشرتها الخارجية (البيع والأسعار). لا بد من قراءة جوهرية لا تربط سعر اللوحة بقيمتها الفنية. فمن نافل القول إن اللوحة الرائجة ليست الأهم، والفنان الذي يربح الملايين ليس بالضرورة الأفضل. كما هي الحال مع الرواية الأكثر انتشاراً، والأفلام التي تحقّق أعلى الإيرادات.
الأميركي ريتشارد برينس ارتفع سعر لوحته 80 ضعفاً. لم يرفع النقاد سيوف شعاراتهم في وجهه، رغم أنه يعرض أعماله في مراكز التسوّق. الصيني شانغ جانغ ارتفع سعر لوحته من 100 دولار إلى 6 ملايين دولار، ولم يتهمه أحد بتخريب تاريخ الفن الصيني. غربلة «الطفرات» تكمن في تحليلها نقدياً بقسوة علنية لا تلميحاً. الناقد فاروق يوسف قال بلا تردد «الفنان العربي لا يعرف ماذا يبدع». جرأته لم تسعفه في أن يذكر لنا نموذجاً واحداً عن حالة الضياع البصري، باستثناء قوله «هناك اليوم في سوريا فنان ساذج ومبتدئ تباع رسومه بأسعار لا يمكن أن تصل إليها أسعار الرواد في الوطن العربي». وعلى هذا المنوال، ثمة عشرات المقالات التي تتحدث عن تجارب ضعيفة، وفن ساذج، وباعة بالجملة... لكن لا أحد يتكرّم بأن يقول لنا من هم هؤلاء.
من حق أي فنان أن ينتج أعماله كما يشاء، ويجد الآلية التي تحقق له الاستمرار. غير أن النقد الحقيقي الغائب أساساً هو الذي يمكنه أن يرفع الغبن عن تجارب مهمة وحقيقية. السمة «النضالية» التي تتسم بها بعض الكتابات ضدّ أثرياء جدد يواصلون سيطرتهم مع تراجع أمومة الدولة، ستقودنا إلى خيبات جديدة. ثمة أزمات كثيرة في راهن ثقافي فاقد للبوصلة والحرفية والأمل. ماذا عن الكتاب؟ الصحافة؟ المسرح؟ على أي حال، أهلاً بكم في جنة الانفتاح الاقتصادي.