حسين بن حمزة

يكتب الشاعر الجزائري خالد بن صالح ما يمكن وصفه بالشعر التلقائي أو الغريزي أو غير المروّض. ليس القصد هنا أن نقلّل من شأن هذا الشعر، بل لنقول إنّه شعرٌ مكتوبٌ بقوة التجربة الذاتية الخام قبل أن تنضوي في نمطٍ أو تيار أو جيل. في باكورته «سعال ملائكة متعبين» (الدار العربية للعلوم)، نقرأ نصوصاً شعرية لم تتعرّض بعد لعمليات المونتاج والحذف والتكثيف والتنقيح التي تمرّ بها القصائد عادةً قبل أن يُدفع بها إلى النشر.
«الصورة ليست كل الشعر»، يقول بن صالح كأنّه يعلن نزقاً أو ضيقاً بتهذيب القصيدة على حساب حريتها وجريانها الطليق. من قصيدة إلى أخرى، تتراءى لنا استعاراتٌ مخلصة لنزق المزاج أكثر من إخلاصها للمعايير المسبقة، كأن يقول: «نحيلٌ أنا مقارنةً بحلم حبيبتي»، أو: «قلبي المنكمش كعلبة بيرة»، أو أن يحدثنا عن «امرأة يُقال إنها تأكل قمراً بعينيها»، وعن «تصدّعات للتوّ بانت على جبين القصيدة»، وأن يمنح نفسه «فرصةً أخرى لخيانة النثر والقصائد المُحكمة».

باكورته «سعال ملائكة متعبين» تجربة ذاتية خام
إنها أمثلة عن لامبالاة بن صالح بالانتماء الفوري إلى نموذج شعري معين، لأنه ببساطة يريد أن تكون نصوصه حصيلة تجربته (وإن كانت قصيرة) ومزاجه (وإن كان غضّاً). أغلب الشعراء الجدد يفضّلون الالتحاق السريع بنماذج قوية سائدة، ظانّين أنّهم يكتسبون منها نفوذاً واعترافاً جاهزاً. هكذا، تبدو قصائدهم أغنى من تجاربهم الحقيقية، وأكثر رسوخاً مما لو بدأوا بلعثماتهم الطبيعية. أفضل مثال على ذلك ما يحدث تحت لافتة «الشعر اليومي» أو «شعر التفاصيل»، إذ ما عاد ممكناً التفريق بين التجارب الأصيلة والتجارب المقلِّدة. مردّ ذلك أن «وصفة» الكتابة اليومية باتت مكشوفة ومتاحة للموهوبين ولأشباههم.
بالمقابل، لا يعني الثناء على تجربة خالد بن صالح نجاةَ هذه التجربة من مشكلات وشوائب عديدة. يُطمئننا أن أغلب هذه المشكلات تتعلق بالمستوى الأدائي والشكلاني للشعر، لكننا نخشى أن تصبح هذه المشكلات سمةً جوهرية تحصر النصوص في فضاءٍ تخييلي ومعجمي وأسلوبي منفلت وغير قابل للتطور. التلقائية والنّزق محمودان في البدايات، إلا أن التعلّق بهما قد يُفسد مستقبل القصيدة، كما أنّ ما هو قابلٌ للغفران في البواكير، سيلقى تشدّداً ورفضاً في ما بعد.
بهذا المعنى، يمكن القول إن المجموعة تتضمن قصائد مقنعة وأخرى عادية. كما أنّ القصيدة الواحدة تتضمن مقاطع وسطوراً متفاوتة الجودة. في قصيدة «ملاك يضع قبعة»، نقرأ: «ازرعي الفوضى في رتابة الأيام/ علميني كيف أنام/ يا... / اجعليني مجرد أنا، لا شهاباً مضيئاً، لا جبلاً، لا مارداً/ ولا شاعراً بمعطفٍ طويل/ دثريني بورق الجرائد ورماد التبغ ولعاب الأطفال/ اصلبيني على خشبٍ أعمى/ ألقي بقاياك فيّ/ حمّليني خطاياك/ انفثي شرورك الجميلة في وجهي...». القارئ المتطلب لن يجد عذراً لهذا الرّعاف اللغوي المتدفق من دون أن يلوح أي بصيص شعري في نهايته. لعلّ هذا يؤكد أنّ النّزق وحده لا يكفي، وأنّ التجربة المستجدة لا يضيرها أن تصقل وتحكّ بالنماذج الشعرية الجيدة. ليس المطلوب أن يقلّد الشاعر غيره، بل أن يسمح لمنجزات هؤلاء أن تتسلل إلى أعماله، وتتحول إلى مكونات وممتلكات شخصية.