خليل صويلح

«الليل زنجي يعزف موسيقى البلوز». «عصفور المطر سيرميكم بحجارة من نار». «المرحلة غربال والمدينة تتساقط من ثقوبه». «اليقظة عباءة شوكية تلفّني». «أتبرأ من دمي والمدينة». بهذه النبرة الشعرية كتب عادل حديدي قبل ثلاثة عقود حفنة من القصص وجمعها تحت عنوان «الكوابيس» ثم انسحب من المشهد تماماً.
وها هو يعيد طباعة مجموعته اليتيمة مرةً ثانية عن «دار إنانا» (دمشق). نقرأ هذه القصص من موقع استعادي أولاً، ذلك أن قصّة السبعينيات، كانت آخر طفرة لافتة في المشهد القصصي السوري لجهة المقترح السردي. فقد شهدت هذه الحقبة بروز أصوات قصصية نافرة، أفرزتها ملتقيات جامعة دمشق حينذاك، باشتغالها على نص متمرّد. نص يستمد مفرداته من معجم مختلف. في قصص عادل حديدي، لا نقع على حكاية، بقدر ما نلتقط مناخات شعرية كان قد أسّس لها زكريا تامر من منظورٍ رافض. وإذا بالمدينة ــــ بوصفها تيمة أساسية وعنصراً مركزياً تستقطب الحدث ــــ مدينةٌ خانقة بأقبية رطبة، وغرف تشبه الأقفاص، وتخنق الحواس.

عيّنة عن قصّة السبعينيات ونبضها المتمرّد على طريقة زكريا تامر
هناك دعوة إلى ثورة عمومية لإزالة القيح عن جسد المدينة، هي في الواقع أحد تطلعات ذلك الجيل المهزوم. ولعل هذه الضبابية التي تغلّف مجرى السرد تحيل إلى غياب الرؤية الواضحة عمّا تصبو إليه شخوص عادل حديدي. الرفض هنا يأتي لمجرد الرفض، إذا لم نقل بأنه سخط شعري في المقام الأول تشحنه عبارات غاضبة: «جسدي يرقص حول موتي... دمي حبلاً يعلّقون به رأسي... ترقص المدينة رقصة همجيّة حول موتي... أوقف الحركة في الشارع وأعلنُ بجنون: إني أتبرأ من دمي والمدينة». هذا شاعر ضلّ طريقه، لكنه في قصصه الأخيرة، يلتقط طيفاً حكائياً، كما في قصتيه «السقطة»، و«موجز حياة المواطن فيّاض». إذ يقتفي أثر شخوص واقعيين: عمّال موسميون، وأصدقاء طفولة، وانتهازيو مرحلة، وسنتوقف مليّاً عند قصته «موجز حياة...» باعتبارها الأكثر نضجاً بين كوابيسه. هنا يلتقط عادل حديدي حياة بائع جرائد ومكابداته في شوارع مدينة لفظته باكراً، فراح يخترع أخباراً جديدة لجذب انتباه زبائنه. هذه القصة أحدثت دويّاً في مدينة الحسكة بعد نشرها، لجهة واقعيتها وخشونتها في هتك حياة شخص يعيش فوق أرصفة المدينة. لعل الخيبة وحدها، هي من قادت عادل حديدي إلى الصمت، ليعيش حياته متسكعاً إلى الأبد.